الخميس، مايو 05، 2011

الشفافية ...(5) عندما يكون الحق معنى






شفافية.....5



عندما يكون الحق ..... "معنى"





الحياة الدنيا علاقات؛ حقوق وواجبات: ينبنى على أدائها مكافآت ومثوبات ... ويترتب على الإخلال بها جزاءات وعقوبات، فإذا فنيت تلكم الحياة فقدت العلاقات قوتها وتمزقت أوصالها، وعاد الناس فرادى كهيأتهم عندما خلقوا أول مرة: "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" سورة المؤمنون 101





والحقوق دماء وأموال وأعراض: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".



لكن حقا آخر ينبنى عليه استقامة الناس فيما سبق من حقوق أو انحرافهم عنها؛ هو حق العلم، أو كما سماه القرآن: البيان؛ "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" سورة البقرة 159، ولا نجاة من اللعن إلا بالبيان: "إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم" سورة البقرة 160



والكتمان ألوان ودرجات:



أشدها: الذى يسأل عن علم فيكتمه، وينكره، ويجيب بغيره؛ وهى صفة يهود: "يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا" سورة آل عمران 188، ثم الذى يسأل عما يعلم فيتجاهل أو يقول: لا أعلم؛ وآخرها: الذى يرى حاجة الناس إلى البيان – وإن لم يسألوا- فيذرهم فى غيهم، وينصرف إلى حاجته، وكأن الأمر لايعنيه، ولايسلم من ذلك إلا الربانيون الذين يصنعهم الله على عينه.





وقد لايتعلق البيان بالحلال والحرام والجنة والنار، وإنما يتعلق بمعنى يطمئن النفس ويسكب فيها الراحة والأمان.





عندئذ يكون الحق: "معنى"



وإلا فلم دعا النبى صلى الله عليه وسلم "عمر" يوم الحديبية ليقرأ عليه سورة الفتح؟؟!! "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" سورة الفتح 1



لقد أدرك النبى صلى الله عليه وسلم أن الصلح أزعج عمر إزعاجا، وأن عمر رآه دنية، وهو الذى لا يرضى بالدون ؛ فلما وصف القرآن الصلح بأنه فتح: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" رأى النبى صلى الله عليه وسلم أن إخبار عمر بذلك يصحح له معنى الصلح فيجتمع شمله المفرق، ويطمئن قلبه المهدد، وترتاح نفسه المتعبة؛ بأبى هو وأمى صلى الله عليه وسلم، كم كان رؤوفا رحيما.





أمور كنت أنزعج بسببها أيما انزعاج:



الديموقراطية، والتنمية البشرية، والولايات المتحدة الأمريكية.



فأما الديموقراطية:



فكنت أرى أنها لعبة أكثر من كونها مبدءاً، وأنها فى حال كونها فكرة إنسانية بشرية وراءها دين ومعتقدات؛ وأن الديموقراطية تنطلق من خلفيات ثلاث: النصرانية المشوهة المحرفة، والعلمانية المادية الإباحية، والرأسمالية الاحتكارية المتسلطة؛ وأن هذا الثالوث لاشك ينفث فى جسد الديموقراطية ويحركه.



إن الديموقراطية مثلا - فى بعض آلياتها- تشترط عليك أن تختار مرشحين اثنين من قائمة واحدة، فإن لم يكن إلا واحدا قد اقتنعت به ورضيت عنه فلا بد من ثان وإن كان ملحدا أو متسلطا أو مفسدا، وإلا بطل صوتك، إنه يريد أن يقتل حريتك وإرادتك؛ فتصير فى نفس اللحظة التى تحسب فيها أنك حر, تصير عبدا؛ وإلا فسد صوتك.



أرأيت كيف يحملونك على اختيار المفسدين الذين ظللت عقودا من الزمان تحمل عليهم بكل ماتملك؛ فانهزمت أمام نفسك وأمام الناس، فرحت تختار أحدهم وأنت له كاره، وحتى يصح اختيارك لمن تحب.



هكذا كنت أفكر..



ثم فى آلية أخرى من آلياتها التى لازالت تطبق وتنفذ حتى داخل الحركة الإسلامية ذاتها عبارة: "خمسين بالمائة + واحد" ... فمثلا يحدد موعد لاجتماع مجلس شورى الشعبة؛ فإذا كان عدد الحضور فى الموعد المحدد أكثر من النصف ولو بواحد تم الاجتماع، وإلا تأجل إلى موعد لاحق، وعندها يتم الاجتماع واتخاذ القرار بأى عدد ولو كان أقل من سا بقه.



كدت أجن من مثل هذه الآلية التى أراها بلا عقل، يعنى ترفض أن تعقد اجتماعا حضره أربعة وعشرون رجلا مثلا من أصل خمسين، حرصواعلى الحضور، وربما جعلوه أولويتهم، ثم تعقد الاجتماع بعدها بثمانية عشر رجلا !! بأى عقل تفكرون !!



كان أبناء عمومتى يلتقون مرة كل شهر فى لقاء ضخم يسمى لقاء العائلة بقرية كفر مجر التابعة لمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، وكان اللقاء فى يوم الجمعة الثانى من كل شهر بانتظام، فاعتذرت يوما عن لقائهم لاجتماع الشورى، فأجلوا لقاءهم من أجلى، وجعلوه هذه المرة فى يوم الجمعة الثالث من الشهر، فلما ذهبت إلى الشورى ولم يكتمل نصابهم أجلوه إلى الجمعة الثالثة، فلما تعارض الموعدان آثرت لقاء أهلى حزينا، فلما كانت الشورى عقدوها بعدد أقل من سابقه بأربعة، فازداد همى وغمى وحزنى وأسفى.



كنت أرى أن حضور الشورى فرض عين، وأنه لا ينبغى التخلف عنها إلا لعذر قاهر غالب، وإلا لضرورة يترتب عليها تلف وخسارة فى مال أحدنا أو نفسه أو غيره، أما فروض الكفايات والتى تسقط عن أحدنا بأداء غيره لها كتشييع جنازة، ناهيك عن فرض آخر وقته ممدود كعيادة مريض، فضلا عن تخلف لنزهة أهل أو طلب استجمام أو ترويح عن النفس بمباح لا لغو فيه؛ كنت ولازلت أرى أن هذا كله لا يصلح أن يكون عذرا للتخلف، وانه أمر جامع قال الله عنه: "وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه" سورة النور 62 ، وأننا إذا طبقنا هذه الطريقة فلربما لا يتخلف أحد، وستعقد الشورى دائما فى موعدها وبكثافة عالية، وسنتعلم كيف نكون جادين، وكيف تنطلق آلياتنا من ديننا وفقهنا وشرعتنا !!



حدثت فى هذا بعض إخوانى أقرانا لى كانوا أو كبراء فلم أجد أذنا تصغى أو قلبا يسمع.





ثم يحدثنى أخ كريم أن اقتباس الديموقراطية كنظام للحكم جاء قياسا على اختيار عمر بن الخطاب رضى الله عنه لنظام الدواوين من بلاد الفرس!!!





قلت: إن عمر جاء به عبداً ذليلاً، وأنتم أتيتم بها سيدة عزيزة، عمر أتى به كسيرا مطأطئ الرأس وأنتم أتيتم بها مهيبة رافعة رأسها، وماأدراك أن عمر سلط عليه فقهاء المسلمين وعلماءهم فنخلوه نخلا ونقدوه نقدا فأخرجوا منه روحه الشريرة وكل ما لا يتفق مع روح الإسلام ومقاصده، وكان بالإمكان عمل ذلك وبيانه وإعلانه؛ إذ هو عبد أسير كسير لايزيد، ولكن أخى الحبيب لا يجيب، وإنما يعود بى إلى ركن الثقة .... بعد مروره على ركن الطاعة ... هكذا كانت المحاورة بيننا.





وهكذا كنت أفكر





ثم كانت التنمية البشرية:



وأذهلنى مسارعة الناس إليها دراسة وتدريسا، ومنهم بعض الإخوان أصحاب االمراكز القيادية فى الجماعة، وقد أنفقوا على دراستها المئات أو الألوف من الجنيهات، إذ هى العلم الذى لايحصل عليه إلا كبار القوم، أو هى علم أرستقراطى طبقى لا يأخذ بناصيته إلا النخبة والصفوة والذين يشكلون محور الثقافة فى مصرنا الحبيبة؛ أو هكذا يظنون.





وكنت أرى أن أخطر ما فى التنمية البشرية أنها تنافس مشروعنا الإسلامى؛ إذ كلاهما يتناول الإنسان ويرغب فى إعادة تشكيله، إن القرآن لم يتناول من هذه الحياة إلا ما يتصل بتنمية الإنسان وتطويره فكرا وخلقا وسلوكا، إذ الإنسان هو بنيان الله فى الأرض: تصلح الدنيا بصلاحه وتفسد بفساده، وماتتناول التنمية البشرية فى الإنسان سوى هذا الجانب، أو قل إنها ماتتناول فى الحياة سوى الجانب البشرى ... إنها جاءت لتنافس القرآن .....



هكذا كنت أفكر.





وربما زاد من قناعتى أن غيرى من الإخوان شاركنى من غير أن أفاتحهم أو أحادثهم بما عندى: كنا قد اعتقلنا فى العام 2007 بسجن وادى النطرون، وكان أخ لنا يحاضر الإخوان فى التنمية البشرية، مر أحد الإخوان بزنزاتنا يسأل عن بعض إخوانه فأجابه أخ آخر بأنه الآن يستمع إلى محاضرة فى "القرآن الجديد"!!!! هكذا قالها، فأعربت عن قلقى من هذا الاسم، فقال والله ماأراها إلا هكذا. سبحان الله كان هذا المعنى يراودنى فلم أجروء على التفوه به، فلما نطق به ذلك الرجل الكريم قلت فى نفسى: وجبت.





كما زاد من قناعتى أيضا أن كل موضوع إنسانى تناولته التنمية البشرية وجدت له أصولا وفروعا تناولها القرآن وعرضتها حياة النبى صلى الله عليه وسلم كأعظم مايكون التناول والعرض؛ مع الوضع فى الاعتبار أنك عندما تتناول هدايتك من القرآن والسنة وتستلهم الوحى تصير الربانية صفة لك، ويكون الله ورسوله فى خلفيات أقوالك وأفعالك، أما فى التنمية البشرية فيكون فى مخيلتك "هيرمان" و"باتلر" وغيرهم من بنى البشر الذين لادين لهم.



كنت أشعر بالتقزم عندما أستمع إلى محاضر فى التنمية البشرية يذكر أسماء علمائها وواضعيها، وهم أوروبيون وأمريكيون، لاسيما وهويذكرهم مزهوا بهم فخورا باكتشافاتهم، إذ هم الآن مشعل الهداية والمصباح الذى يبدد الظلام، وقد امحى من الأذهان الآن ومن الذاكرة أبو هريرة وابن عمر والمقداد وسعد بن معاذ.



ثمة شىء آخر: أن هذا العلم البشرى يقوم على البحث والتجريب والتحليل البشرى البحت؛ وهو مايعتمد على إمكانات البشر وتكنولوجيا البشر، وهذا كله قابل للتعديل والتطوير كسائر علوم البشر، ولايملك ناصية التعديل والتطوير سوى الذين يملكون ناصية العلوم والتكنولوجيا، ومعنى ذلك أن نظل تابعين فى التنمية البشرية لكل ما يأتينا من هناك؛ من أوروبا وأمريكا، ومقتضاه أن يخضع نمونا الفكرى والعقلى والأخلاقى والسلوكى ... أن يخضع ذلك كله لأوروبا ولأمريكا.



زاد من همى وغمى أنى رأيت أهل التنمية البشرية ينمقون الكلام فى محاضراتهم، ويتكلفون فى عرض هدايتهم، ثم هم بعد ذلك أكسل الناس عن صلاة، وأبعدهم من قيام ليل أو صيام نهار، وأقعدهم عن شغف بفقه أو ترنم بقرآن أو اتباع لسنة؛ فأدركت أنهما متنافسان لا يلتقيان وندان لا يجتمعان.



هكذا رأيت وهكذا فكرت.





وأما الولايات المتحدة الامريكية:



فلربما تخيل بعضهم أن أمريكا قد ترحب بالإخوان، وتقبل بوصولهم للحكم وترضى بحصولهم على السلطان، ذلك إذا طمأنها الإخوان على ثلاث مسائل لا زالت تشغل بال الأمريكان وتزعجهم، وهى قضية عدم الانقلاب على الديموقراطية، وقضية حقوق الأقلية المسيحية، وقضية حرية المرأة، وأن أمريكا إذا اطمأنت إلى هذه الجوانب الثلاثة فإنها لا تمانع فى وصول الإخوان إلى سدة الحكم، سيما وأن فساد الأنظمة العربية بات يسىء إلى أمريكا نفسها، وأن حرمان الشعوب العربية من حقوق الآدميين بات يهدد أوروبا نفسها؛ وذلك بتتابع موجات من الهجرات غير الشرعية من بلاد العرب المطحونين المقهورين إلى إيطاليا وفرنسا وأسبانيا وغيرها من دول أوروبا، وهو مابات يشكل خطرا على هذه الدول، وألا حل لذلك إلا انظمة ديموقراطية جديدة تعيد إلى هذه الشعوب العربية عزتها وكرامتها، وتهىء لها أسباب الحياة الكريمة، ولا مرشح لذلك على الساحة إلا الإخوان المسلمون.



كان مثل هذا الحوارات تدور فى الزنزانة التى حوتنا نحن التسعة: مدحت الحداد، ومحمد كمال، وجمال ماضى، وأيمن شمس، وحمدى سليمان، ومحمد زويل، وأشرف عبدالمحسن، وحازم صلاح، وتوكل مسعود. وكان ذلك فى سجن طرة "العامر" سنة 2004 ، بينما كانت الحوارات تدور، كانت أمعائى تتمزق، وقلبى يتفطر، وكيانى يتزلزل، حتى مرضت بسبب ذلك مرضا شديدا، وحولت إلى مستشفى القصر العينى مرات عدة، وأخذوا عينات من دمى فأرسلوها إلى معامل راقية بالقاهرة، ولا يحسبون إلا أنه قد أصابنى ذلك المرض الخبيث، لما ألم بى من هزال شديد سريع، ولما نزل بى من ضعف خارت معه قواى؛ حتى كنت أصعد درجة الزنزانة على مرحلتين، وكنت أقلب النظر فى ساعدى وساقى وأقول لنفسى أهما هما أم غيرهما!! وماذا حل بهما!! ..... وكانت كل نتائج الفحوص وتقارير المعامل والأطباء تقول إننى سليم معافى ..... وصدقوا.



إن الهم لاترصده أشعة الرنين، ولا ترقبه موجات الصوت، ولا تكتشفه ألوان الطيف ولا عدسات المجاهر والمناظير .... وإنما يرقبه رب العالمين، ويحسبه الملائكة المقربون، وتدونه أقلام الحافظين فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة.





حقيقة أبثها وأنا فى غاية الألم: تستطيع أن تمنعنى من الحركة؛ وأن تقيدنى بالسلاسل، وأن تمنع عنى الغذاء والماء والهواء، أو تمنعنى من ذلك، تستطيع أن تصم أذناى أوأن تفقأعيناى أوأن تقطع لسانى، بعض ذلك تستطيع أو كله، ولكنك لاتستطيع أن تمنعنى من أن أفكر كما أنى لاأستطيع ذلك، إذ الأمر هنا ليس بيدى ولابيدك، ولكنه بيد الله فابحث لنفسك ولى عن آلية وطريقة تحترم الثوابت وتقر بالمسلمات، والفكر لايعالج إلا بالفكر، وإذا كان بالإمكان قيادة الجند بأسلوب القطيع فإن الفكر لايقاد بنفس الآلية، وإنما له آليات أخرى تقوده إلى الصواب.





أرقتنى هذه الهموم كثيرا حتى منعتنى الراحة والنوم؛ سارعت إلى إخوانى القريبين منى فلم أجد عندهم جوابا أكثر من نصحهم لى بالسمع والطاعة ومتابعة الجماعة، وكنت أقول: إن قضايا الفكر والرأى لا علاقة لها بالسمع والطاعة، وإنما هى تخضع للمحاورة والتفاهم إذ هى قناعات .... فلم أر موافقا - ليس فى الرأى وإنما فى المنهج-؛ ولم أستسلم؛ حتى كدت أجن، أو أفقد عقلى؛ ليس من شئ إلا أنى لا أجد من يسمعنى، ولا أعثر على عاقل يتعامل مع فكرتى بفكرة، ومع خوفى بإشفاق، ومع جنونى بتعقل؛ حتى قال لى أحدهم يوما: كان ديكارت يقول:" أنا أشك إذا أنا موجود"، ولو كان اليوم بيننا لقال: "أنا أفكر إذا أنا منبوذ".



قلت ذات يوم لأخى القريب منى: هب أننى صاحب شبهات وأننى سىء الفهم!! أليس من حقى وأنا فرد فى الجماعة ألتزم بقانونها، وأؤدى واجباتى نحوها، وأتحمل تبعات انضوائى تحت لوائها راغبا محبا وراضيا مسرورا .... أليس من حقى أن تردوا على شبهاتى، وأن تصححوا لى مفاهيمى السقيمة!!!؟؟ قال: هذا كله من حقك؛ قلت فإنى أريد حقى؛ وأود أن ألتقى مع أى مستوى فى الجماعة يقوم اعوجاجى ويرد على شبهاتى.



اتصل بى أخى الكبير المهندس ........ ،والتقينا فى مكتب البرلمانية، وسمع منى حتى النهاية، ثم لخص ماقلت فى عبارة لازلت أحفظها: "أنت تريد أن تطمئن بالنسبة لعلاقتنا نحن الإخوان المسلمين بالثقافة الغربية ومدى تأثرنا بهذه العلاقة".



قلت: نعم. قال: أعدك بأن نلتقى مع مجموعة من الإخوان للتفاهم والتحاور حول ماذكرت ولتقول رأيك بصراحة فتسمع منهم ويسمعون منك، ثم قام فودعنى حتى الباب وانصرفت.





كان هذا فى صيف 2008 واعتقلت بعدها ببضعة أشهر، ثم أفرج عنى بعد قضاء أشهر الاعتقال، وبعد بضعة أشهر اعتقلت مرة أخرى لبضعة أشهر، ثم أفرج عنى، ثم التقيت قدرا وفى ساحة جامع القائد إبراهيم بأخى الكبير المهندس......، فسلم على وصافحنى وذكرنى بالموعد المضروب، وأنه لازال يذكره، وأنه سيفى بوعده، كان ذلك بعد عامين من اللقاء الأول، وقد مضى اليوم على هذا الوعد الجديد عام آخر.





منذ ثلاثة أعوام وهذه الأفكار تشغلنى وتؤرقنى وتمنعنى الراحة، وقد كان بالإمكان أن أستريح منها بجلسة مع أخوين كريمين أو ثلاثة فيستمعون إلى حتى أفرغ كل ماعندى ويجيبوننى بصراحة ووضوح فيقولون مثلا: هذا ليس من حقك، أو هذا صواب وهذا خطأ، أو هذا صحيح وذاك أصح، أو يقولون "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" سورة المائدة 101



أما عدم الرد والإعراض عن الجواب فهو: إحراق لقلب كلما احترق أضاء، وتدمير لنفس كلما هدمت بنيت كأحسن ما يكون البناء





لم يكن ذلك كله لينال منى حتى أعيدت تلكم الذكريات ذات ليلة على قلبى، وكدت بعدها أنام لولا سؤال طرح نفسه:





ماذا لو مت ووقف أخى هذا على غسلى أو على قبرى ؟



ثم ماذا لو مات!! ووقفت على غسله أو .... على قبره ؟





إن الذين يكتمون البيان إنما يحرقون نفوس الناس وقلوبهم، لذا كان جزاؤهم من جنس عملهم:



إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار ...." سورة البقرة 174



"من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"



قياس مع الفارق .... لكن علماء المسلمين يقولون: "كل آية نزلت فى غير المسلمين تجر بذيلها عصاة المسلمين" سمعتها من الأستاذ الدكتور أحمد العسال رحمه الله رحمة واسعة ... لم أسمعها من غيره







والله من وراء القصد

السبت، أبريل 30، 2011

الشفافية (4) أصل الحكاية

الشفافية....4











أصل الحكاية











لم أدع علما...ولا أنى أحتكر الصوابا.






وإنما قلت: هذا الذى عندى؛ فإن كان صوابا قبلناه، وإن كان غيره صوبتمونى.






ولا كان النقد لمجرد النقد،وإلا لكتبت ضعف ماكتب، والأحاديث مسجلة وبالإمكان عرضها على النقاد: حديث الثلاثاء بمسجد عصر الإسلام يومى29،22/4/2011.











أذكر أننى منذ ثمانية أعوام كتبت كتابا عنوانه: "إبهاج الأزواج فى فنون وآداب العلاقات الزوجية"، تلقاه الناس بالقبول وأثنوا عليه كثيرا، ثم تعرفت بعدها على عالم فاضل وهو فى نفس الوقت أستاذ للبلاغة فى جامعة الأزهر؛ أهديته نسخة من الكتاب وسألته أن يقرأه قراءة نقدية، زارنى الرجل بعد أسبوع وسلمنى أربع ورقات من مقاس الكراس A5 بها مايقارب ثلاثين تعليقا نقديا تتناول النحو والصرف والبلاغة: ولو أننى دفعت الكتاب إلى علماء آخرين فى الحديث أو فى التفسير مثلا لكتب كل منهم مثل ما كتب أستاذنا المذكور.






"وفوق كل ذى علم عليم"











لم أنصت إلى متحدث يوما لأتصيد خطأً أو لأتتبع عورة، وإنى لأومن بقول النبى صلى الله عليه وسلم: "يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لاتغتابوا المسلمين ولاتتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته؛ ومن تتبع الله عورته يفضحه فى جوف بيته" فانظر كيف وصمه بالنفاق وإنى لأبرأ إلى الله منه. وإنما أنصت لأستفيد العلم والعمل، وأعلم ماذا آخذ وماذا أذر وأين أتوقف.











والذى آخذه أعطيه لغيرى، وأما الذى أتوقف عنده فالذى يخالف ماأعلم فأتوقف حتى أعلم، وأما الذى أذره فالذى لايلزمنى من فن لست له أهل، أو شاذ مخالف لذوق عام، أو ماأهدر مصلحة عامة؛ فإن إهدار العموم جريمة، ولا يكون الترك إلا بعد البحث والتنقيب والرجوع إلى الثقات من رجالات الدعوة من سبق منهم ثم من لحق، ثم إنى لاأبالى أن آخذ من صغير أو كبير، وأن أذر من سابق أو لاحق فإن الحق لايعرف بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق، اعرف الحق تعرف أهله.











ليس النقد الأدبى يشغلنى‘ ولا النقد المعلوماتى؛ إلا إذا أثر سلبا فى مجتمع المؤمنين خلقا أو سلوكا؛ والخطأ الذى يكون إساءة إلى اللغة إو إلى مباحث علمية لا تشغل إلا أهل اللغة أو أهل العلم والمنظرين فأبعد ما أكون عنه على ملإ أو حتى فى غيابات جب عميق؛ إلا إذا كان يجمعنى بصاحبها ود قديم وكان لى قرين.











أما نقد سياسي أو اجتماعى يمس مصالح المسلمين وسلوك المؤمنين ويؤثر سلبا فى قيام نهضتهم وارتقاء دولتهم وعز أمتهم فالنقد النقد؛ ولا يكون إلا قويا لاذعا فالأمر لايحتمل السكوت بله المداهنة.











للإخوان مواقع إلكترونية ينشرون عليها أحاديث علمائهم ومقالات أدبائهم وخطب أئمتهم؛ وفى ذيل كل منشور إمكانية التعليق وقابلية النشر، وهو مايعنى أن تذكر رأيك بصراحة فيما قرأت أو سمعت، وقد يكون الرأى قدحا أو مدحا هجاء أو ثناء؛ مالم يكن إسفافا أو سبابا، هذا تقديرى وحسن ظنى، وهو باب من أبواب النقد العلني كما أفهم،وأحسب أن الدنيا كلها تفهم ماأفهم، إذ هى من بداهات العقول، إلا إذا كان القائمون على تلكم المواقع يعنون بالتعليق المدح والإطراء، وإلا حذفت مقالتك ومحيت عبارتك، وكنت من المحجوبين،وهو مالم أكن أتوقعه.











لا أحضر درسا ولا أقرأ كتابا إلا ومعى قلم وكراس؛ أسجل ما سرنى وما أحزننى وأدون الخواطر، وأقيد ماشرد وما ورد، فما تعلم المرء إلا بالقلم!! "وربك الأكرم الذى علم بالقلم".











كان حديث الأستاذ صبحى صالح المحامى يوم الثلاثاء 1/3/2011 بمسجد عصر الإسلام بسيدى جابر ببلدتى الهنية المرية " الإسكندرية".











كان الحديث شائقا حول الدولة المدنية والدولة الدينية وأيهما كانت دولة النى صلى الله عليه وسلم فى المدينة!!!! وكان مما ذكره الأستاذ الكريم فى محاضرته تعريف الدولة فى القانون الحديث بأنها: "أرض يعيش عليها شعب له حكومة"، وذكر أن دولة الرسول صلى الله عليه وسلم ينطبق عليها التعريف انطباقا كاملا، ثم عرج على صلح الحديبية باعتباره عمل من أعمال الدولة، وأفاض حتى أفاد.











كنت قد استمعت إلى محاضرة قبلها ببضعة أيام من الأستاذ المستشار مختار العشرى؛ تحدث فيها عن الدستور المصرى بين التجديد والتعديل، ذكر فيها تعريفا للدولة فى القانون الدولى فذكر نفس التعريف الذى ذكره الأستاذ صبحى صالح مضيفا إليه "أن يعترف بها دوليا".











بينما كان الأستاذ صبحى صالح يذكر صلح الحديبية قفز إلى ذهنى أن صلح الحديبية هو بمثابة اعتراف ضمنى من قريش بدولة النبى صلى الله عليه وسلم إذ تفاوضت معه بعدما كانت تقاتله، وصار ندا بعد تمرد، وصار ملفه فى مكة سياسيا بعد ما كان الملف أمنيا.






اتصلت بالأستاذ الكريم صبحى صالح وبثثت إليه خواطرى ومشاعرى فأنكرها، فشكرته وأزحت الفكرة من رأسى ولم أنشغل بها لاتدوينا ولاتلقينا، وإنما الشىء بالشىء يذكر، وماذا على أو لى أن يكون الصلح اعترافا أو لايكون، وماذا يضيف إلى واقع المسلمين أن تصح رؤيتى أو لا تصح فى هذه الناحية.؟؟!!.











حضرت حديث الثلاثاء يوم 22/4/2011 وعدت إلى موقع "أمل الأمة" فسجلت تعليقى فلم ينشر، ثم كان الثلاثاء 29/4/2011 سجلت تعليقى فلم ينشر، فاستغثت بمن أعرف فأخبرنى بأنها أخطاء فنية فى الموقع، وطلب إلى كتابة مقال عن الموضوع ووعدنى بنشره؛ ففعلت.... فلم ينشر... فلما اتصلت أسأله عن سر عدم النشر أخبرنى بأن "فلانا" رفض النشر..... فنشرت.











لم يكن الأمر سلسا ولا متتابعا بالطريقة التى رويتها لك، وإنما جنبتك إزعاجا وانزعاجا لاعليك إذا لم تدركه .











والآن: إذا كان من حقى التعليق فى "أمل الأمة" فهو أملى وأمل كل الأمة، وإذا لم يكن من حقى فالتمسوا لى عذرا أن أسميه: "أمل المكتب"؛ فإن "الأمة" أعظم من هذا بكثير.









والله من وراء القصد..















الاثنين، أبريل 25، 2011

الشفافية..... 3 حوار مع مخالف 2

الشفافية....(3)










قال أخى: ولكنك بنقدك العلنى تعطى الأعداء فرصة فيكيدوا للإخوان كيدا، وتمنح المتربصين سهما ليطعنونا به، وهم بذلك فرحون.










قلت: "هذه حجة داحضة من عدة وجوه:



















أولها:










أنها حجة كل الذين يكممون أفواه الشعوب ويقيدون الحريات ويحرمون الناس حرية التعبير.



















ثانيها:










أن الأمة لم تخل في فترة من فتراتها ولا في مرحلة من مراحل حياتها -على اتساع رقعتها وعمق زمانها- من أعداء يكيدون ومتربصين يطعنون، فلو كان لهذه الحجة ساق تقوم عليه لكان معناه أن الأمة تحرم من التناصح وإبداء الرأي فيما يتعلق بالحكام والأمراء والأنظمة التى تحكمها لتبقى دائما زهرية الصورة وردية اللون مخملية الملمس، وهو مالم يحدث في أزهى وأكرم وأنقى عصورها؛ أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من تبعه من الخلفاء الراشدين.










وإن كان لهذه الحجة من مردود فهو انحسار قضية التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آحاد الناس بعيدا عما يمس الأنظمة والحكام فيضمنوا لأنفسهم عيشة هنية وقلوبا رضية، كل ذلك باسم مصلحة الشعوب وهي براء.



















ثالثها:










أن التاريخ يشهد أن الأمة لم تؤت من خارجها ولم يؤثر فيها أعداؤها سلبا لأنهم كانوا أقوى منها، وإنما لأنها ضعفت وتآكلت من الداخل ليس بسبب التناصح وإبداء الرأى، ولكن بسبب انفصال الأمراء ومن سار في ركبهم من العلماء عن القاعدة العريضة، وقد بين القرآن هذا المعنى في أكثر من موضع فقال مرة: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدكم شيئا" وقال: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"










فليس المعيار هو استفادة الأعداء من إعلان التناصح لأنه ظنى ومفسدته متوهمة، ولكن استفادة الأمة من التناصح وقدر "الهدى" و"التقوى" الذي يحققه وعمق "الصبر" الذي ستلتزم به الأمة لتبلغ هذا الهدى وتلك التقوى هى المصلحة المعتبرة.










وهل يمكن إلغاء مصلحة معتبرة من أجل مفسدة متوهمة بحجة أن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة؟؟!! أحسب أن هذه القاعدة تعنى مفسدة متحققة ومصلحة مرئية، أما والفساد متوهم ومظنون بينما المصلحة قائمة متحققة فيسقط الاستدلال بتلك القاعدة ومن ثم لاتنطبق.



















ورابعها:










أن الأمة لم تمر بمرحلة من كيد المتآمرين وتربص المنافقين مثلما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ المشركون بمكة يعدون العدة والعتاد لضرب المدينة في بدر وأحد والخندق وبينهما سرايا وغزوات هى أقل ذكرا، ثم اليهود يكيدون ويشككون في الوحي ويستهزئون بالرسالة داخل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعهم المنافقون يلمزون ويهمزون ويغمزون، ثم لم يمنع ذلك كله الوحي من أن يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليصحح له بعض اجتهاداته، ثم ليتلى هذا التصحيح على مسامع الدنيا جميعا من المؤمنين في المدينة ثم المنافقين واليهود، ولا غرابة أن يبلغ أسماع المشركين في شتى أنحاء الجزيرة، فهل كانت هذه سهام ورماح تعطى لأولئك المتربصين ليطعنوا بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.



















زوج النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة من زينب بنت جحش وهي له كارهة، وأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدا يطلق زينب، وأنه -أى النبي صلى الله عليه وسلم- يتزوجها من بعده، فلما تراخى النبي صلى الله عليه وسلم في تنفيذ ما عهد إليه أنزل الله عليه: "وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه".



















وحرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه لونا من الطعام إرضاءً لبعض أزواجه؛ فأنزل الله عليه: "لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك".



















وأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن أم مكتوم في موقف دعوى بحت لمكانة كبار القوم يرجى منه إسلامهم فأنزل الله عليه: "عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى* وأما من جاءك يسعى* وهو يخشى* فأنت عنه تلهى* كلا إنها تذكرة ".



















وسرق أنصارى درع أخيه الأنصاري، فلما حامت حوله الشبهة عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي، وأسرع قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدفعوا التهمة عن صاحبهم ويلصقوها بالبريء، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فعذره على رؤوس الناس فأنزل الله القرآن: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما* واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما*و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما"










وقد كان من الممكن أن تكون هذه المعاتبات وتلك التصحيحات سهما يؤتاه اليهود والمنافقون ليطعنوا به المسلمين وهم محقون؛ في وقت كانوا يطعنون وهم مبطلون.



















أما مراجعات القرآن العلنية للمؤمنين فأكثر من أن تحصى:



















ففي بدر خرج المؤمنون يريدون العير، وأراد الله لهم أن يلقوا النفير، فكره بعضهم ذلك، فأنزل الله القرآن: "وإن فريقا من المؤمنين لكارهون* يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون* وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم".



















وفي أحد خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت بهم الهزيمة؛ فنزل القرآن: "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، وقال لهم أيضا: "حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة". حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما كنت أحسب أن أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية.



















ولما تسارع المسلمون في بدر يقيدون أسرى المشركين قبل الإثخان رغبة في الفداء أنزل الله عليهم: "ماكان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم* لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم".



















وفي الخندق اجتمعت الأحزاب من قريش وثقيف وغطفان ومعهم اليهود على ضرب المدينة، فوصف الله حال المؤمنين: "وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا* هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا".



















فلم يكتف في كل ما سبق بأن يكون التصحيح والتنبيه وعظا عاما غير مباشر أو غير معلن بكلمة يلقيها عليهم صلى الله عليه وسلم في مجمع خاص أو داخل جدران المسجد؛ حتى جعلها قرآنا يتلى يسمعه القاصي والدانى والعدو والصديق والموافق والمخالف، ولم يكتف بنقض أعمال ظاهرة حتى كشف خبايا النفوس وأخرج مكنونات القلوب، وفي ذلك من وجهة نظرى فائدتان لا غنى للمؤمنين عنهما يساهم كل منهما في بناء دولة قوية:



















أولاهما:










لجوء المؤمنين الدائم والمستمر إلى الله، وانكسارهم بين يديه إذ يروا فى كل مرة ضعفهم ثم تقوية الله لهم،وأخذه بأيديهم، وجبره لكسرهم، فيكون أبعد لهم من العجب والغرور والزهو بالنفس والركون إلى أسباب القوة المادية والعددية، ليوقنوا دوما أن النصر من عندالله.



















وآخرهما:










أن قيام الدولة المسلمة بإحصاء أخطائها ونقاط ضعفها ومعرفة آحاد الناس بذلك ثم مشاركة الجميع فى المعاجة المستمرة والمتابعة الدؤوب يوقظ مشاعر الأمة ويحفزها نحو مصالحها، ويقوى الشعور بالانتماء إلى الوطن، وهو من أقوى الضمانات التى تصون نسيج المجتمعات ووحدتها، ثم إنها من ناحية أخرى تقطع كل الألسنة الخارجية أو حتى ألسنة المنافقين التى تلوك الموضوع أو تتناوله، وأنى لهم ذلك وقد ذكره أهله وتناولوه بشفافية ومصداقية، وناهيك به من أسلوب لايسمح معه بإطلاق شائعات مغرضة؛ إذ مجتمع المؤمنين يتناول المعلومات من مصادرها الموثقة نقية صحيحة أولا بأول؛ فلا مجال للإرجاف هناك.









قال أخى: ولكن ألا تري أنها مثالية مطلقة؟؟!!









قلت: إذا قلت لي ما هي المثالية؛ ما تعريفها عندك!! أستطيع أن أجيبك ب"نعم" أو "لا". أما أن تطلق مصطلحاً له في نفسك معني لا أعرفه وتريدني أن أجيبك عليه فكلاً وألف كلا؛ وقد كان ذلك من أسباب تدهور حضارتنا وتراجع أمتنا: إطلاق مصطلحات غامضة ليس لها معني دقيق يتفقون عليه قبل التحاور فإذا بهم يتفقون علي ما اختلفوا في فهمه، ولو أنهم اختلفواعلي ما فهموا لكان أولي.









ولكنى أكاد أدرك قصدك... وأجيبك بعيداً عن مصطلح "المثالية":

















أعلم أن الكمال لله والعصمة لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وسلوكه صلى الله عليه وسلم وأخلاقه هى غاية ما يطمح إليه من الكمال البشري، وأن القرآن هو المثال الأعظم في هذه الحياة وأننا بين المثال والواقع مترددون؛ فجواذب النفس والهوى تهوى بنا إلى أسفل بينما القرآن يأخذ بأيدينا إلى الارتقاء والسمو، وأن علينا أن ننظر إلى المثال دائما ونتطلع إليه؛ لا لنبلغه لأن ذلك محال، ولكن حتى لا نتردى ونسقط، وقد نقع وعيوننا على المثال فيأخذ بأيدينا ليرفعنا مرة أخرى فإذا زاغت عنه عيوننا وانصرفت عنه قلوبنا كان السقوط، وهو ما عبر عنه القرآن بقوله: "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه"، وما تلاوة القرآن إلا لون من ألوان التطلع الدائم والمستمر إلى النموذج الأرقى لتظل العيون والأفئدة ترقب الكمال وإن لم تكن لتبلغه؛ والبديل هو التسفل.









ليس معنى أنى أدعوك إلى النظر إلى الكمال أنى أطالبك بالوصول إليه، ولكنى أخشى عليك السقوط.









فإذا كنت تعنى بالمثالية بلوغ الكمال النبوي المحمدى فهو مطلب من لاعقل له، أما إذا عنيت التعلق بحبله المتين ودوام النظر إليه فهى فريضة لا يسعنا تركها وإلا فأمه هاوية.



















قال صاحبى: ولكنك كنت قاسيا فظا والأصل فى النصح أن يكون رقيقا!!!










قلت: القسوة والفظاظة كلمات فضفاضة يتسع معناها ويضيق حسب تفسير كل واحد منا ورؤيته وبيئته وقد كان عمر رضى الله عنه يوصف بأنه فظ غليظ؛ وصفه بذلك بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، ووصفه أيضا بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم على فراش موت أبى بكر فأنكر عليهم ووصفه بأنه خيرهم.



















عد إذا شئت إلى الآيات التى صحح فيها القرآن بعض مواقف النبى صلى الله عليه وسلم لتراه وهو يقول له: "تخشى الناس والله أحق أن تخشاه"..."فأنت عنه تلهى" ...." كلا إنها تذكرة".."تبتغى مرضاة أزواجك" واسأل نفسك أخى لو أن أحد الناس خاطبك بذلك أكنت تراها قسوة؟؟!!... "ومن أحسن من الله حديثا"؟؟!!










ثم عد مرة أخرى إلى القرآن وهو يخاطب المؤمنين: "تريدون عرض الدنيا"..."لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم"...منكم من يريد الدنيا"......وتخيل إذا وجه هذا الخطاب إليك!!! "ومن أصدق من الله قيلا"؟؟؟!!!




























روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر بن الخطاب فقال: مابال رجال يتأخرون عن النداء؟! أية ساعة هذه!! فقال عثمان: مازدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر والوضوء أيضا، وانت تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل؟؟!!



















الله الله ياأهل الدعوة



















الله الله يارجال الإخوان



















الله الله يامسؤلين



















عثمان الأسبق إسلاما...عثمان الأكثر إنفاقا... عثمان ذو النورين...وصاحب بئر رومة.










لم يخالف فى فريضة، وإنما ترك الأحسن وفعل الحسن..لم ينصح سرا وإنما علانية على رؤوس القوم فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ومن على منبره،



















قال النووى: قاله توبيخا له وإنكارا لتأخره إلى هذا الوقت وفيه جواز الإنكار على الكبار فى مجمع الناس. انتهى



















ياقوم إن الكبار الذين يقتدى بهم لا ينصحون سرا إذا كان موقفهم علانية لأنهم يقتدى بهم، وأقوالهم شرائع ومفاهيم، وإنما الغرم بالغنم.










ياقوم تعلقتم بقول الشافعى: من نصح أخاه سرا فقد وعظه وزانه ومن نصح أخاه علانية فقد فضحه وشانه.......وهذا فى من كان شأنه سرا أو ليس فيه أسوة.



















تعلقتم بهذا الظنى وتركتم المحكم من القرآن ومن سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد محمد صلى الله عليه وسلم:



















أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم... فاستغفروه... لكم ....ولى.























































والله من وراء القصد