الاثنين، نوفمبر 02، 2009

اكتمال الصورة .....(3)

.
3- الحر والبرد
.
.
كنت أطالع كتاباً في الرقائق يتحدث عن التخويف من النار والتعريف بأهوال يوم القيامة. قرأت الكتاب من أوله حتى منتهاه فلم أر فيه جديداً . إلا أن مؤلفه جمع آيات القرآن الكريم الواردة في وصف القيامة وأهوال جهنم أعاذنا الله منها وجيش عدداً ضخماً من الأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول نفس الموضوع .. وإن كانت مثل هذه الكتابات لا تستهويني كثيراً لأنها نوع من السرد وتحصيل الحاصل..أو بتعبير جدتي رحمها الله (توفيت عن ثمانين عاماً سنة 1970 ) "دق المية في الهون"
إلا أنها أحياناً تكون فيها فائدة .
.
.
عثرت في آخر الكتاب على هذا الحديث النبوي الشريف :
"إذا كان يوم شديد الحر قال العبد:لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرنى من جهنم ومن حر جهنم ، قال الله لجهنم : إن هذا عبد من عبادي قد استجار بي منك وإنى قد أجرته ، وإذا كان يوم شديد البرد قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرنى من جهنم ومن زمهرير جهنم ، قال اله لجهنم : إن هذا عبد من عبادى قد استجار بي منك،وإنى قد أجرته" رواه البيهقي
.
وجدت في هذا الحديث راحة كبيرة،ذلك أن الحر والبرد من الظواهر المناخية المتكررة طوال العام ، وقليلة هى البلاد التى تتمتع بمناخ معتدل .
.
ومع الحر الشديد أو البرد الشديد يجد الإنسان نفسه مضطراً لأن يقول شيئاً... فإما أن يعبر عن استيائه من الحر أو البرد .. أو يعبر عن تألمه فيتأفف .. ويشكو ولكن ..... لمن؟! أو قد يكون مجاراة للناس من حوله، إذ هم لا يتكلمون إلا في الحر والبرد ،وكأن كل مشاكل الدنيا قد حلت ... ولم يبق إلا الحر .. والبرد . وكأن كل واحد من الناس يريد أن تكون الدنيا على مقاسه وحجمه وظروفه ... .
.
وكان الصالحون قديماً إذا تأفف الناس من الحر .. أو البرد : يصححون لهم مشاعرهم وأحاسيسهم فيقولون"على مرادهم" بمعنى " هو ملكه يصرفه كيف يشاء حراً أو برداً "
.
وجدت في هذا الحديث سلواي : إذ أستطيع أن أعبر عن استيائي من الحر ، ولكن بذكر الله وليس بكلامى الذي كما يقولون "لايودى ولا يجيب"، وثانياً لأنى أشكو الحر .. والبرد ولكن لخالق الحر والبرد، فالشكوى هنا لله وليست للناس ، كما أننى فهمت من الحديث إن الحر والبرد يذكرانى بحر جهنم وبردها ....
فأقول لنفسي: حر الدنيا ... ولاحر الآخرة
وبرد الدنيا ... ولا برد الآخرة.
.
كما أننى فهمت من الحديث أن الإجارة من جهنم ومن حر جهنم أو من بردها تعنى :
الإجارة منها في الآخرة ... يوم القيامة .
.
ولبثت ما شاء الله لى أن ألبث ... بهذا الفهم .
.
وبعد سنوات أخرى : كنت أقرأ في كتاب "سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي.
ومررت بسيرة علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقرأت : "كان علياً لا يبالي أن يلبس ملابس الشتاء في الصيف أو أن يلبس ملابس الصيف في الشتاء ، فلما سئل عن ذلك قال: ‘إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لي فقال " اللهم قه الحر والبرد" .
.
كنت أقرأ هذا الحديث وأقول في نفسي " يا بختك يا علي"
ومرة أخرى أقول "يا بختك يا أبا الحسن"
.
وقيت الحر والبرد في الآخرة لأنك من العشرة المبشرين بالجنة
ووقيت الحر والبرد في الدنيا بدعوة مخصوصة من النبي صلى الله عليه وسلم
.
ولبثت ماشاء الله لى أن ألبث بهذا الفهم ،حتى وقعت على هذا الحديث:
"اشتكت جهنم لربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً ... فأذن لها بنفسين : نفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من حر الصيف .. ونفس في الشتاء فهو أشد ما تجدون من برد الشتاء ..."
.
.
فقلت: سبحان الله : إن حر الصيف هو نفس من أنفاس جهنم
وإن برد الشتاء هو نفس من أنفاس جهنم

حتى كان يوم من أيام الحر اللافح وتذكرت الدعاء : لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم .. اللهم أجرني من جهنم ومن حر جهنم " فإذا بها تقفز أمامى :
الإجارة ليست فقط " من جهنم" وإنما " من حر جهنم"
هذا الحر الذي أنا فيه" هو حر جهنم" .. هو نفسها الذي تتنفسه في الصيف
.
أنا الآن لا أسأل الله شيئاً واحداً .. أنا أسأله شيئين :
الإجارة من جهنم .. في الآخرة
والإجارة من حر جهنم .... في الدنيا
.
والله سبحانه إذا استجاب دعائي فأجارني فقد أجارنى من الإثنين:
من جهنم .... في الآخرة
ومن حر جهنم ... في الدنيا
.
اذن : المسافة بيني وبين "علي" ليست بعيدة ، وليس البون شاسعاً.
.
أما على : فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته مستجابة.
وأما أنا : فأدعو لنفسي ... ودعوتى قد تكون مستجابة .
.
يعنى : إذا اجتهدت في الدعاء ... وأخلصت .. وكان كسبي ومطعمى حلالاً ودعوت بيقين وتضرع .. وخضوع .. وخشوع .. وخفية .. وهي شروط استجابة الدعاء ... إذا صنعت ذلك ممكن أكون مثل " على " رضي الله عنه .
.
إذا صنعت ذلك أجارنى الله من جهنم يوم القيامة ..... مثل " على "
وأجارنى من حرها وبردها في الدنيا ...... مثل "على"
.
إذن المسافة ليست كبيرة ؟؟؟؟ ........................ بل إنها كبيرة جداً
المسافة هى : الصدق
.
سئل الإمام أحمد : كم هى المسافة بيننا وبين عرش الرحمن ؟!
فقال رحمه الله : دعوة صادقة .
.
أصبحت لا أبرح هذا الدعاء في الحر أو في البرد ... حتى والله وجدتنى لا أتألم ولا أتأفف ولا أنزعج من حر .. ولا من برد.
.
ولكنني ألبس في الصيف ..... ملابس الصيف
وألبس في الشتاء .... ملابس الشتاء

الأحد، أكتوبر 25، 2009

اكتمال الصورة .......(2)

.
إسناد القفا
.
.
الإسلام أعظم من أن يحيط به مخلوق ، والعلم أوسع من أن يجمعه رجل ، والفقه أجل من أن يختزل في عالم .
كان جدي رحمه الله قد درس الفقه المالكي ، وكانت كل آرائه في العبادات والمعاملات هي آراء مالكية .
كان رحمه الله إذا صلى وقف مستقبل القبلة .. منتصب القامة .. معتدلاً تمام الإعتدال .. ينظر دائماً إلى الأمام .
.
وكنت أرى الناس يصلون فيحنون رقابهم ؛ ينظرون إلى مواضع سجودهم ، كما يفتيهم بذلك العلماء إذا سألوهم : أين أنظر وأنا أصلى ؟
: في موضع سجودك .
.
وسألت جدي ذات يوم : لماذا لا تنظر في موضع سجودك وأنت تصلى ؟! لماذا تنظر دائماً إلى الأمام ؟!
فقال رحمه الله : وأنا آخذ برأي مالك رضى الله عنه .
.
هل كان جدي رحمه الله مقلداً صرفاً ؟! أم كان يعرف دليل مالك وأدلة الآخرين واقتنع أن مالكاً هو صاحب الرأي الصحيح ... أو على الأقل .. صاحب الرأي الراجح ؟!!
هذا مالا أعرفه ، ولم أسأل عنه ، ولم يخبرني .
.
وتوفي جدي رحمه الله ... وعرفت بعد ذلك مجالس العلماء ، وخطوت نحو العلم خطوات .. وتصفحت مراجع الفقه وكتب التفسير .. فوقعت ذات يوم عليها .
.
إن مالكاً رضى الله عنه يرى أن النظر في موضع السجود هو اجتهاد من بعض الصحابة أو التابعين ، وهو يتنافى مع تمام القيام الذي أمرنا الله به حيث قال : "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد " الأعراف 29
وقال: "وقوموا لله قانتين " البقرة ، وقال: "خلقك فسواك فعدلك " الإنفطار7
فتمام القيام وكمال الإعتدال يقتضيان النظر إلى الأمام واستقامة العنق مع الظهر
.
وغيره من الأئمة يقول إن النظر في موضع السجود أقرب لإدراك الخشوع الذي هو روح الصلاة ، وبعض أصحاب هذا الرأي تجده يقول بعدها : ولا شك أن تمام القيام والنظر إلى الأمام أفضل لمن يقدر عليه .
.
ومرت شهور .... وسنون وبينما كنت أقرأ في كتب الرقائق يذكر فضل قيام الليل إذ وقعت على هذا الحديث :
"وقيام الليل شرف المؤمن ... ومطردة للداء عن الجسد " رواه الترمذي
ووقفت طويلاً عند كلمة "مطردة" فوجدتها تعنى أمرين ؛ أولهما : أن الداء قد زحف أو تسلل إلى الجسد وقيام الليل يطرده، وثانيهما : أن الداء قد يكون فعلاً في الجسد ... وقيام الليل يطرده .
.
إنه وقاية .... وعلاج
.
ولكن : كيف ؟ وما العلاقة بين الصلاة التي هي قرآن ودعاء وخشوع وبين الأدواء التي تبرح الإنسان ؟!
.
ولكني سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقت بحديثه ، وتناولته بكمال الرضا ... إذ العبادات توقيفية ، وقد لا يعقل معنها ، وقد لا ندرك الحكمة من ورائها .
.
" وفوق كل ذى علم عليم " يوسف 76
.
ومنذ ثلاث سنوات وأنا أقرأ في كتاب "وحي القلم" للأديب المسلم البارع الفيلسوف الحكيم بلا منازع : مصطفى صادق الرافعي ، وفي رائعة من روائعه بعنوان : العجوزان .
.
يحكي قصة رجلين : كانا صديقين حميمين ... افترقا في سن الأربعين والتقيا وهما في سن السبعين ، فأما أحدهما فقد انحنى ظهره ، ولم تكفه ساقاه فاعتمد على ثالثة هى العصا ، ومشى يجر رجليه ، فإذا أراد القيام أو القعود : نظر إلى الناس من حوله ثم أشار إلى أحدهم قائلاً : "خذ بيدي من فضلك "
.
وأما الآخر فهو لايزال معتدل القامة ، رشيق القوام ، واسع الخطوة ، ليصافحك فتشعر بعافية يده في يدك فتقول في نفسك " من منا العجوز " ؟!
.
ثم يبحث الرافعي ببراعة في حياة كل منهما ليخلص إلى أن سبب العجز والشيخوخة في الأول هو عادة طأطأة الرأس وانحناء القامة ، وأن سر الشباب والفتوة في الثانى هو عادة رفع الرأس وانتصاب القامة .
.
ويسميها الرافعي :
.
" إسناد القفا"
.
ومعناه أن تسند قفاك إلى ياقة قميصك أو معطفك ، فإن الذين اعتادوا "إسناد القفا " هم أشفى الناس ، وآخر من يعرف الداء طريقهم . فلما تمثلتها ... وجدتنى أنظر إلى الأمام وقد استقامت عنقي مع ظهري ......
.
ثم استمعت منذ عام إلى الدكتور / عادل عبد العال - أستاذ الطب البديل- وهو يتحدث عن فضيلة اعتدال القامة فيقول :
ان اعتدال القامة يشد عضلات العنق والظهر والفخذين والساقين ، فتظل هذه العضلات قوية مفتولة مما يضمن سلامة العمود الفقري والمفاصل ويضمن سلامة الجهاز التنفسي ويمنع ترسيب الدهون وتراكمها ... فإنها تتراكم فوق العضلات المترهلة ....
.
فقلت : سبحان الله .... صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
غفر الله لجدي ...... ورضى الله عن الامام مالك
ورحم الله الرافعي ..... وحيا الله الدكتور عادل عبد العال
.
.
اكتملت هذه الصورة في نحو أربعين سنة
.
.

الجمعة، أكتوبر 16، 2009

اكتمال الصورة ..........(1)


اكتمال الصورة .... (1)
.
.
1- البر لا يبلى
.
.
كنا نسكن في ضاحية من ضواحي الإسكندرية ، وكنا ربما لا نرى "وسط البلد" إلا لشراء مستلزمات المدارس والعيد وخصوصاً الحذاء من أجل ضبط المقاس .
.
ووسط البلد هو ميدان "المنشية" أو بالأحرى "ميدان محمد على باشا" ... ميدان فسيح تتوسطه حديقة ، ويتوسط الحديقة تمثال ضخم بأكبر من الحجم الطبيعي أقيم على قاعدة ضخمة ارتفاعها يقترب من ثلاثة طوابق ، والتمثال لمحمد على باشا وقد امتطى ظهر جواده وامتشق سيفه .
.
وكنت أسأل أبي: من هذا الرجل ؟! فيقول : محمد على باشا ... لايزيد على ذلك ، حتى كانت السنة السادسة الابتدائية ، وكان مما درسناه تاريخ الدولة العثمانية ، وبالذات في الفترة التى كانت مصر يحكمها "محمد على باشا" والذي يعتبرونه "مؤسس مصر الحديثة ".
.
وكن أقول لنفسي : ما نسبة تمثال محمد على باشا ... إلى محمد على باشا ..
.
كلما رأيت سيارة أخى وصديقي المهندس / محمود خليل الفولفو volvo تذكرت هذه اللقطة من طفولتى .
.
فولفو volvo قديمة جدا .. لم يبق فيها مايدل على أنها فولفو volvo إلا كلمة volvo المكتوبة على جسم السيارة ، كلما رأيتها أقول لنفسي : إن نسبة هذه السيارة إلى السيارة volvo كنسبة تمثال محمد على باشا إلى محمد على باشا .
.
وكنت أحيانا أمازح المهندس / محمود خليل فأقول له : والله إن هذه السيارة فعلا فولفوvolvo ولكنها فولفو بك ، ولولاك ماكانت فولفوvolvo أبداً .... ثم أمازحه مرة أخرى فأقول له : "البركة بالسكان ... وليست بالمكان" .
.
ذات يوم وبينما كان محمود عائداً من عمله في الساحل الشمالي ، وبالتحديد عند منطقة "سيدي عبدالرحمن" ، وفي فصل الصيف القائظ وقت الهاجرة ... أبصر محمود شاباً على الطريق يشير بيده إلى السيارات المتجهه نحو الإسكندرية ، محمود يفكر في التوقف ... يهديء من سرعة سيارته .. يتوقف بعد مسافة ليست بالقصيرة .. والشاب خلفه هناك .. لازال يشير بيده ... ولكن أحداً لا يتوقف .
.
محمود يرجع بسيارته في الاتجاه الآخر، ثم يدور ، ويقف أمام الشاب ويفتح له باب السيارة الفولفوvolvo ويقول له : تفضل ... اركب .
.
يركب الرجل ويجاذبان أطراف الحديث .. الصيف .. الحر .. المواصلات .. السياسة .. غلاء الأسعار .. زلزال اليابان .. حتى ظهرت معالم مدينة الاسكندرية .. فقال محمود للرجل : أنا ساكن في العجمى .. فقال الرجل : وأنا ساكن في الدخيلة بعدك بقليل ، سأنزل في العجمي وأركب أي سيارة أجرة للدخيلة .
.
سيارة محمود الفولفوvolvo لا تتوقف إلا في الدخيلة ، ويبلغ محمود بالرجل قريبا من بيته ، فيتزل الرجل شاكراً ممنوناً ، ويدعو محمود إلى الغداء ... الشاى ... حاجة ساقعة ... ولكن محمود يشكره ويعتذر .. ويعود إلى بيته بالعجمي .....
.
مر ما يقرب من ستة أشهر على هذه الواقعة .... وبينما كان محمود راجعاً من عمله في الساحل الشمالى وفي يوم عاصف ممطر مرعد مبرق ... تعطلت سيارة محمود الفولفو volvo عند "سيدي عبد الرحمن" .
.
محمود "مهندس مدنى"وكل علاقته بالسيارة : الجلوس أمام عجلة القيادة ، وتموين السيارة بالوقود من المحطة ،وملء مبرد الموتور بماء التبريد ، وتغيير الإطار الاحتياطى إذا لزم الأمر .
.
نزل محمود مستعيناً بالله ، ورفع غطاء الموتور ، وظل يتأمل في أحشاء السيارة المتهالكة .. أسلاك .. أنابيب .. مواسير .. مروحة ضخمة ... وكتل من الحديد لا يعرف أين بدايتها ولا نهايتها ..
.
وبينما هو منكفيء تحت الغطاء يكاد يبكى من الحسرة والألم ... إذ سمع صوتاً يقول : مرحبا يابشمهندش ... فرفع محمود رأسه : مرحبا بك ..
- خير يابشمهندس
- تعطلت سيارتى هنا منذ عشر دقائق .. ولا أدرى ماذا أصنع
- تفضل يا بشمهندس ..ضع المفتاح .. ودور السيارة .
- هو انت بتشتغل إيه ؟
- كهربائي سيارات
.
يجلس محمود على مقعد القيادة ويدير المفتاح .. وصاحبنا يقول : تمام .. لا .. ارجع ... دوس بنزين .. دور تانى ... حتى دارت السيارة .
.
فتح الرجل باب السيارة وجلس على المقعد المجاور لمقعد محمود فشكره محمود وأثنى عليه ودعا له بخير .
- خيرك سابق يابشمهندس
- هو احنا اتقابلنا قبل كده ؟!
- نعم كنت أقف على الطريق هنا في الصيف الماضى ... وحملتنى بسيارتك هذه إلى الدخيلة .. وانت بالأمارة ساكن في العجمى .
.
فقال محمود : سبحان الله ، كنت أظن أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم "البر لا يبلى " معناه أنه لا يضيع أجر فاعله عند الله ، وأن الله يحفظ أجره ويصونه حتى يوم القيامة .. لكن اليوم اتضحت الصورة واكتمل فهمى للحديث ... فإن البر لا يبلى في الدنيا أيضاً .. وها هو البر الذي صنعته في يوم من الأيام لم يبل ، وقد رده الله إلى في وقت أنا أحوج ما أكون إليه .. وظل محمود يتحدث مع صاحبنا حول هذا الحديث النبوي الشريف المبارك حتى وصلت السيارة الفولفو volvo الدخيلة وأراد الرجل النزول ...
فقال له محمود: يا أخى أنا لم أتشرف بالتعرف عليك حتى الآن .. أنا أخوك محمود خليل مهندس مدنى بالساحل الشمالى
فقال له الرجل : وأنا أخوك جوزيف .. كهربائي سيارات
.
.
اكتملت الصورة في ستة أشهر



************************




تنويه واعتذار:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
زوار وزائرات المدونة الكرام .. أعتذر لكم في تأخرى عن وضع تدوينات جديدة في الفترة السابقة - منذ شهر تقريباً - فما كنت لأغفل عن أمانة تركها لى أبي ولكن أنا أنتظر حتى تأتيني التدوينة من أبي "سجن برج العرب" .. وما شغلنى عن الكتابة إلا كما يقال " الشديد القوي" .. فالواجبات أكثر من الأوقات .. وفقط
.
إسراء توكل مسعود

السبت، سبتمبر 19، 2009

إن عادوا ..... فعد (15)

تواصل الأجيال
.
.

بعد شهر كامل من الإعتقال زارنا أهلونا في سجن طرة وكانت زيارة مباركة أسعدتنا زوْراً ومزورين .
.
نقلت زوجتي إلىّ تحيات ودعوات أهلى وإخواني وجيراني ... وسألتها : هل من رسالة من أبي ؟!
قالت: نعم ... ولكنها شفهية ... هو يقول لك : "من المؤمنين رجال ....."
قلت:
هلا أكمل الآية ؟!
قالت:
سألته ذلك .. فقال أنت أدرى بها .... أنت تكملها ....
فقلت :
نعم ... "من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " سورة الأحزاب
.
.
جلسنا ساعتين نجتر الذكريات ونسأل القاصي والداني حتى قفزت صورة تفتيش بيتي إلى مخيلتي ....
سألت زوجتى :
كان الضابط قد عثر على ورقة اهتم بها كثيراً ولكنه نسيها إلى جوار حقيبة إحدى البنات ..
قالت :
نعم ... وأنا كنت أرقبه .. فأسرعت إلي الموقد فحرقتها ..
قلت :
متى؟؟
قالت:
قبل أن تغادروا الشقة ... والله لو ذكرها عند الباب فعاد إليها لما وجدها .
قلت :
ماكان فيها ؟!!
قالت : والله ما أدري ولا نظرت فيها ... وهل كان الوقت وقت قراءة واطلاع !!!
.
ودعنا أهلنا وحملنا أمتعتنا إلى الزنازين بعدما قام رجال المباحث بالسجن بتفتيشنا وتفتيش كل ما وصلت إليه عيونهم وأصابعهم ... وبينما كنت أرتب ثيابي التي حملوها إلي في الزيارة إذا بقصاصة ورق صغيرة تسقط من بين الملابس ... فقرأتها :
.
.
أبي الحبيب:
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد،
فقد وحشتنى كثيراً ... وكلما فتحت درج الكمودينو ونظرت إلى صورتك يكاد يغلبني البكاء ... ولكني أتشجع وأقول لنفسي : إن أبي يجاهد في سبيل الله والحق وسوف ينصرنا الله في يوم من الأيام
.
ابنتك إسراء
.
.
لا أدري كم مرة قرأت هذه الرسالة ربما عشرات المرات ... حتى إنني من فرط تعلقي بها عددت كلماتها فوجدت " أربعين كلمة " ولكنها توفر عليك قراءة أربعين كتاباً فقد استوعبت كثيراً من القضايا والمفاهيم التى لم يستوعبها بعد كثير ممن تجاوزوا الأربعين بينما كانت إسراء في ذلك الوقت قد أتمت العاشرة لتوها فقد كان مولدها يوم 12 فبراير 1988 وكان اعتقالنا في التاسع من فبراير 1998 .
.
حمدت الله على التوفيق وأعددت رداً موجزاً على رسالة إسراء .... كتبته وأودعته أوراقي في زنزانتى ... ولم أحفظ كلماته ...

الحمد لله تواصلت أجيالنا ... هاهو صوت أبي يبلغني في رسالة مع زوجتي يدعوني إلى الثبات والمصابرة ... وهاهو صوت ابنتي يبلغني في زنزانتي ...وإنه في الحقيقة لصدى صوتي .... ومرآة حقيقتي ...
.
إن ديناً يحمله الناس بهذا الإصرار .... لا يكون إلا الذي يرضاه رب العالمين ... وإن أناساً يحملون الدين بهذه العزيمة لجديرون أن ينصرهم الله ....
.
.
"في يوم من الأيام " ............ على حد تعبير إسراء
.
.
ذات يوم فتشوا حقائبنا وأوراقنا فعثروا على الرسالتين : رسالة إسراء .. ورسالتي التي ترد عليها ... وكنت أود أن تلبغها .. فحزنت في البداية ثم رجعت إلى نفسي .. وقلت سبحان الله ... لكأن الله أراد لهم أن يقرأوا رسالة بنت العاشرة وأن يقرأوا جواب أبيها عليها .
.
.
لعل أحدهم يقرأهما فيتغير حاله ويهتدى ويرق قلبه وتهذب نفسه لما فيهما من حب وشوق وعاطفة بين بنت وأبيها ... فإن لم تكن هذه فلتكن الأخرى ... ولعل ما فيهما من العزيمة والإصرار وتواصل الأجيال والتعاهد على الإستمرار ... لعل ذلك كله يفت في عضده فتنهزم نفسه ... ثم من بعد ذلك تنهزم إن شاء الله دولته ..
.
.
بعد حوالي ثلاثة أشهر أفرج عنا وعدنا إلى أهلينا ودعوتنا سالمين غانمين ولعلنا أن نكون إن شاء الله "مأجورين غير مأزورين " ...
..
لقيت أبي فعانقني وعانقته وبكى فرحاً لرؤيتي وطرباً بعودتي ودعا لي بالسلامة والعافية ... ثم قال: ... أريدك أن تقص على كل ماحدث معك ومع اخوانك منذ أخذوك من المسجد وحتى عدت إليّ الآن ... ولا تبخل عليّ فإني أسر بسماع أخبار الرجال وأحب أن أطمأن على الأبطال ... وكلي آذان صاغية .
قلت : الوقت ضيق ... والحكايات كثيرة ...
قال : أعطنى يوماً من صياحه وحتى المساء والغداء عندي .
.
.
ذهبت صباح اليوم التالي ... فقصصت عليه كل ما قصصته عليك في هذه السلسلة التي بلغت حتى الآن خمسة عشر مقالة من الصباح وحتى المساء فلم يقطع حديثي معه إلا القيام للصلاة أو كوب الشاي أو موعد الغداء فلما قضيت مأربي ... وارتويت من عينى أبي .... وغذيت من بشاشة وجهه وإنصات جوارحه وأردت الإستئذان عند المساء ... قام أبي رحمه الله إليَ فعانقني وقبلني ونظر إليّ نظرة عميقة أدركت أنها نزرة تحريض .... وقال بهمة وإصرار
.
.
"إن عادوا .... فعد..... "
.
.
مات أبي رحمه الله بعدها بعام واحد ..
وعادوا ..... والحمد لله ... وعدت ..... بفضل الله ....
وفي كل مرة أذكر وصية أبي ... وأتذكر قول الله تعالى : "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا آثارهم " يس
وأقول : هذا أثر من آثاره ..... رحمه الله رحمة واسعة ...
.
.

الأربعاء، أغسطس 26، 2009

إن عادوا .... فعد (14)

عبد الطاغوت .... أو .... عبدالمأمور (2)
.
.
.
والأصل في كلمة "العبد" عند العرب ... من الطريق "المعبدة"
.
إن الطريق "المعبدة" طريق سهلة لينة تطؤها الأقدام فترتاح ... ويسهل المشي عليها .
.
أما الطريق "الوعرة" .. "غير المعبدة" فإنها لا يسهل وطؤها ، وسيتعرض سالكها لكثير من المشاق .. وسيتعثر في كل خطوة .
.
فلا تكن " عبد الطاغوت " ولكن
" وعر الطاغوت "
.
نموذج :
.
ضابط أمن الدولة يستدعي شاباً بالجامعة ويسأله عن بعض الشخصيات العامة الذين ليس فيهم قاتل ولا مجرم ولا هارب من تنفيذ حكم قضائي ... كلهم صاحب رأي ... ثم يخرج له صوراً لأشخاص آخرين فينكر الشاب معرفته بالأسماء وبالصور ...
.
ثم يفاجأه الضابط بصورة امرأة عارية مع رجل عارٍ في وضع جنسي شاذ .... ربما لم ير هذا الشاب مثل هذه الصورة في حياته .... إلا في ......... الدولة .
ثم يقول الضابط للشاب : أتعرف هذه ؟! فيجيب الشاب: لا .
فيقول الباشا : هذه أمك !!
.
ولكن الشاب الذي تربى على العزة والكرامة والإباء يقول له وبهدوء شديد يجعله يفقد أعصابه وتوازنه وعقله ، وكل ما بقي عنده من آثار الإنسان .... إن كان هناك إنسان .
يقول له : إنها تشبهك كثيرة ... يبدو أنها أمك .
.
فهنا يرميه بكل ما على مكتبه من أوراق وأدوات وأقلام وتليفون ويجن جنونه ويفقد صوابه .... ويستدعي الزبانية ليؤدبوا هذا الشاب لأنه : قليل الأدب .
.
ثلاثة أيام بلياليها .... يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق أطعموه وسقوه ... ثم ضربوه حتى يغشى عليه .... وهكذا .....
.
.
أين الإنسان في هذا الإنسان ..... الإنسان الذي فيه جسده ورجلاه ويداه وعيناه وأذناه ولون بشرته ... أما القلب والعقل والنفس والأخلاق والآداب فقد مسخت جميعاً فصارت شيئاً آخر عطفه الله على القردة والخنازير وسماه
"عبدالطاغوت"
.
الجسد جسد انسان ، والقلب قلب قرد ، والنفس نفس خنزير ، ألا فليعلم "عبدالمأمور" ...... أنه قد رضي بالمسخ وأنه تحول عن الإنسان الذي كان فيه إلى مخلوق جديد اسمه في القرآن "عبدالطاغوت " .. وفي عرف الناس "عبدالمأمور" ... وتحية من أعماق قلبي لكل من كان
" وَ عَرَ الطاغوت " ...
.
.
.
.
.

الاثنين، أغسطس 17، 2009

إن عادوا ..... فعد (13)

بداية .. أعتذر لكم أني تأخرت في نشر التدوينة ... ولكن كما يقال الواجبات أكثر من الأوقات ... لذا اعذروني ... وأعدكم بعدم تكرار ذلك ... انتظروا على "بلاوطن " تدوينة جديدة كل اسبوع إن شاء الله :)
.إسراء
إن عادوا .... فعد (13)
.
.
عبد الطاغوت ...... أو ...... عبد المأمور(1)
.
.

فإذا انتقلت إلى عجيبة أخرى من عجائب القرآن وهي قوله تعالى :
.
" قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ" .........
المائدة (60)
.
.


"جعل"
تفيد التحويل .. أي أنهم كانوا بشراًفحولهم الله إلى شيء آخر قردة وخنازير وعبد الطاغوت .
التحول إلى قرد وخنزير هنا مسخ الهيئة والصورة والشكل واللون .
.
أما التحول إلى " عبد الطاغوت " فهذا مسخ النفس والقلب والأخلاق والآداب ولكنه على كل حال : لون من ألوان المسخ والتحول عن البشرية السوية والإنسانية الراقية إلى مخلوق جديد ، ليس من جنس البشر الذين نعرفهم ولا من جنس الإنسان الذي نأنس به .
.
"عبد الطاغوت " الذين يحبون وبنتمون إليه ويدافعون عنه ويسيرون في ركابه .
.
"عبد الطاغوت " هم ذراعاه وأصابعه وقدماه ونعلاه ... هيئتهم هيئة بشر وخلقتهم خلقة الإنسان ... لكن النفس صارت مسخاً والقلب صار قلب قرد وقلب خنزير .... لا يرى ذلك ولا يدركه إلا ذوو البصائر وأولو التميز .
.
ما كان لك أن تدرك هذا المعنى وترى الآية مائلة أمامك ناطقة بمدلولها إلا إذا رأيت "عبد الطاغوت " في الفراعنة ... وسجن طرة ... وشديد الحراسة ... وحجز الدخيلة ... وحجز مينا البصل ...
وكم فيهم من فضلاء أخيار... كانوا يشدون من أزرنا ويثبتوننا ونرى الدمع في أعينهم ونلمس الصدق في حديثهم ولهذا حديث آخر .
.
.

وكما كان الأمر في الكفر بالطاغوت "إنه ليس تكفيراً " ولكنه إعلان رفض ومقاومة وتحدى وعصيان ، وتصميم على خلعه وإزهاقه وإسقاطه وإرغام أنفه ....
.
.

كذلك ليس "عبد الطاغوت " معناه التكفير .
لأن كلمة عبد بمدلولها اللغوى لا تعنى التكفير .
ولكن تعنى أنه صار ذليلاً خاضعاً لطاغوته ... وتعنى أنه صار هيناً ليناً في يديه يأمر فيأتمر وينهى فينتهى .... ليس لدى المسكين أي اعتبار إلا رضا مولاه : " الطاغوت " ، وليس عنده أي قيمة إلا راحة سيده "الطاغوت " .
حتى سمى نفسه ... وسماه الناس : "عبدالمأمور " ، وسماه القرآن : "عبد الطاغوت " .

.
وللحديث بقية

الأحد، أغسطس 09، 2009

لقد عادوا ... لذا كان لابد أن يعود

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة .. وبعد

أحبتي في الله :
شاء الله العلي القدير أن أخرج مرة ثانية من وراء الستار لأصبح بينكم .. لفترة لا يعلمها إلا هو .. فلقد اعتقل أبي ليلة أمس .. ومعه سبعة آخرون .. هنا الخبر
ويشهد الله أنى لم أغب عنكم فأنا متابعة جيدة جدا لكل جديد تدونونه بأقلامكم القوية .. ولكن يشغلنى عن الكتابة إليكم ما يشغلنى من عمل ودراسة ..
سأكون بينكم .. ولكن بقلم أبي .. فقلمي لم يحن وقته بعد .. سأكمل ما بدأه .. وسأنقل لكم "إن عادوا ... فعد " .. ولا أظن إلا أن أبي قد عاد ..
أدعوكم لقراءة " الطاغوت " مرة أخرى ... وأهديها لـ " طاغوت " الأمس ...
جزاكم الله خيراً .. ومرحباً بتعليقاتكم هنا أو على البريد الالكتروني dr_tawakul@hotmail.com

إسراء توكل