الشفافية.......(2)
تذكر الأساطير أن الله لما خلق الخلق وقسم عليهم أرزاقهم من الأموال وأنصبتهم من العقول رضى كل منهم بعقله بينما تسخطوا على الأرزاق؛ وهم فى هذا وذاك مختلفون.
لم يزعجنى الذين خالفونى كما لم أفرح بالموافقين ، والمخالفون فى أشياء هم عن غيرها راضون، كما أن الموافقين لابد لديهم بعض التحفظات. ولن يختلف أخوان على طول الخط لأن أصل الفطرة فيهم ومنهل العلم عندهم واحد كما أن مورد الفهم لديهم صاف لايعرف الكدر؛ فلا غرو يلتقيان.
وبنفس الدرجة لن يتفق أخوان على طول الطريق لأن كلا منهما خلق وحده "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" وليس فى البشر نسخ مكررة لا شكلا ولا مضمونا، ولا صورة ولاتصورا، ولا خلقا ولا خلقا.
لذا لايزعجنى المخالف لأننا سنلتقى يوما، ولا تفرحنى الموافقة إذ الاختلاف متوقع ولو مرة، والحكمة القديمة تقول: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما" ولا نعرف إلا الحب اتفقنا أو اختلفنا.
لكن أسعدنى عفيف المنطق موضوعى المذهب وإن خالفنى، وأحزننى شاط عند موافقة سليط عند مخالفة والله يغفر لى وله.
أما "غير معرف" ثم تتناول شخصى وتتهم خلقى وتجرح مشاعرى وتذكر مايدل على أنك قريب منى وأنى أعرفك وأنك تعرفنى؛ فلا أدرى تحت أى لون من ألوان الشجاعة يندرج هذا السلوك؟؟؟!!! ثم ماذا أنت فاعل حين تلتقى الوجوه؟؟!! هل ستبتسم فى وجهى وتمد يدك مصافحا بعد إذ غششتنى!! أم ستكون صريحا واضحا وتعنفنى كما عنفتنى فى تعليقك على مقالتى؟؟!! فمن الآن إذن عرفنى بنفسك واذكر اسمك برجولة أنت لها أهل!!!!،يرحمنى الله ويرحمك.
***********
قال صاحبى: ليس بحثنا فى حق أو باطل ولا فى جنة أو نار؛ وإنما هو صواب أو خطأ.
قلت: بل فى ما هو أبعد من كليهما ، إنما هو فى صواب أو أصوب، وفى حسن أو أحسن، والتوقف فى البحث عند حد الحق أو الباطل شأن العوام، ثم الانتهاء إلى حدود الخطإ أو الصواب دأب الخواص، أما الارتقاء بالبحث إلى مستوى الصواب أو الأصوب والحسن أو الاحسن فهو هم الأصفياء وخلق الأنقياء، وقديما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولاتنس أن المقربين: "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" بينما أصحاب اليمين: " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين"؛ فالمقربون فى الآخرين "قليل" بينما أصحاب اليمين فيهم"ثلة" أى كثيرون، وكلٌ من الباطل بريئون وعن الخطإ بعيدون، وإنما الفرق كان فى الصواب والأصوب وفى الحسن والأحسن.
قال صاحبى: "أنت أسميت مقالتك "شفافية"، وهذا لمز فى الآخرين فهل أنت "شفاف" بينما هم "معتمون"؟؟؟!!!
قلت: دعك من العنوان فإنها كلمة لاتنهض وحدها أن تكون جملة ولكن بتقدير محذوف تستطيع بالحب أن تقدره كما تستطيع بالهوى أن تغيره، وحسبى أننى أخرجت ماعندى ووضعته على مائدة التباحث والتحاور فإن كان صوابا التزمنا به جميعا وإن كان خطأ صوبتمونى فارتحت من حمله وتخلصت من عبئه ووزره.
قال: كنت أحب أن تبقى فى الطريق الذى اخترته لنفسك من دراسة العلوم الشرعية و تدريسها والانتظام فى لقاءات المساجد ودروسها والنأى عن الإداريات وعدم الخوض فى سياسات الجماعة.
قلت: الطريق الذى اخترته هو جماعة الإخوان المسلمين، وأما العلوم الشرعية فهى وسيلة من وسائل النهوض بنفسى وبها "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" وهى أنجع وسيلة للارتقاء بالإداريات وضبط السياسات ثم إنى لاأعرف هذه المسميات ولكنى أعرف الإسلام بشموله، وبئس العلم علم مبتوت عن الإدارات، وإذا انفصلت لقاءات المساجد عن السياسات فبئست المساجد وبئست اللقاءات؛ ثم إنها علاقتى بربي وليس من شأن المخلوقين أن يحددوا علاقات بعضهم بالله وأين تبدأ وكيف تنتهى.
قال أخى: كانت مكالمة الأستاذ المرشد للأستاذ سيف الإسلام حسن البنا مجرد خاطرة تعبر عن حبه واهتمامه بأخيه.
قلت: كانت خاطرة يوم الحادى عشر من فبراير، فلما حكيت فى اليوم التاسع والعشرين من مارس -أى بعد مضى شهر ونصف بالتمام- دل ذلك على أنها استقرت بالذهن وتمكنت من القلب حتى انتقلت من حالة الخاطرة العابرة إلى حالة الفكرة المستقرة، والخطرة إذا لم تدفع صارت فكرة كما يقول "ابن القيم" فى "الفوائد".
قال أخى: كان خروجى من المعتقل يوم الحادى عشر من فبراير سنة ألفين وعشرة، فلما خلع حسنى مبارك فى الحادى عشر من فبراير سنة ألفين وإحدى عشر؛ -أى بعد مرور عام كامل على خروجى من المعتقل- هللت زوجتى وكبرت وقالت: اليوم ثأر الله لك يا مصباح.
قلت: هذه مشاعر زوجة لاترى فى الدنيا إلا زوجها، ولاشك أن الله قد انتقم لك ولغيرك، منهم من تعلم وكثير لايعلمهم إلا الله، ثم أردفت قائلا: ولو وافق يوم خلع مبارك يوم اعتقالك لكان أقوى وأبين فى الانتقام من موافقته يوم خروجك.
قال أخى: وكان غرق العبارة المصرية فى الحادى عشر من فبراير سنة ألفين وست؛ غرقت وعلى متنها ألف وثلاثمائة تقريبا من الرجال والنساء والأطفال، كانوا وجبات شهية لأسماك القرش لبضعة أيام، وفى مساء نفس يوم حتفهم كان مبارك المخلوع يشاهد إحدى مباريات كرة القدم وقد ارتسمت على ملامحه ابتسامات عريضة وهو يلوح بيده للجماهير، وكان خلف كل واحد من هؤلاء الضحايا عشرات من الأرحام والأصدقاء والأحباب والجيران اكتوت قلوبهم جميعا فى ذلك اليوم، فلما وافق يوم حتفهم يوم خلع مبارك اتصلت بى والدة إحدى الضحايا وقالت: اليوم انتقم الله لابنتى.
قلت: وهذه أيضاً مشاعر أم احترق قلبها وتفتت كبدها على ابنتها فأعماها الحزن عن رؤية غيرها، وأذهلها الهم فلم تسمع استغاثات المئات بينما سمعت استغاثة ابنتها، ولو أنصفت لقالت: اليوم انتقم الله لألف وثلاثمائة رجل وامرأة وطفل.
ولو أن الأستاذ المرشد ذكر هذا المثال لكان أوقع فى قلوب المؤمنين وأشرح لصدور المصريين من اختزال الانتقام فى الثأر لحسن البنا، ومايليق بآحاد الناس والمتحدث بالإصالة عن نفسه وأيضا بالنيابة عنها لايليق بالمتحدث عن أمة أوبالأحرى عن جماعة ترنو إلى قيادة الدنيا وتعتبر أن من تمام أهدافها أستاذية العالم بنشر دعوة الخير فيه.
قال صاحبى: أنت تقول إن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ينظر إليه على أنه إمام المسلمين وأمير المؤمنين؛ بينما نحن نعلم اعتقادا أن جماعة الإخوان المسلمين هى جماعة من جماعات المسلمين وليست هى جماعة المسلمين!!!
قلت:نحن الآن جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين،ولكنا نطمح أن تسود دعوتنا الدنيا بأسرها، ومراحل العمل عندنا سبع؛ تبدأ بإعداد الفرد المسلم وتنتهى بأستاذية العالم بنشر دعوة الخير فيه، وإن عيني لترصد هذا الهدف وتراه قريبا، وأرى أن الاستعداد ينبغى أن يكون من الآن، وأن نرقى إلى مستواه، وأن من أبجديات ذلك أن نرفع الحواجز بيننا وبين الآخرين فضلا عن أن نصنع بأنفسنا حواجز،ويكفى بالحديث عن الذات وبالمن حاجزا هو أثبت وأرسى من كل الحواجز التى يضعها الأعداء.
إننى أحب وأتمنى أن يذوب الإخوان المسلمون فى هذا الشعب المصرى ذوبانا ليس بالطبع هو الضياع وفقدان الهوية، وإنما ذوبان التواضع والحب والخدمة حتى الفناء، وأن يذوب المصريون فى الإخوان المسلمين ذوبان الحب ووحدة الوجود، ولن يكون هذا إلا برفع الحواجز.
قال أخى: ولكنك بنقدك العلنى تعطى الأعداء فرصة فيكيدوا للإخوان كيدا، وتمنح المتربصين سهما ليطعنونا به، وهم بذلك فرحون.
قلت:....................................................
وللحديث بقية.
والله من وراء القصد












