الاثنين، ديسمبر 28، 2009

الهجرة النبوية 3 ومن يسلم وجهه إلى الله وهومحسن

.

.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


.
.
كل عام وأنتم بخير.. كنت في مثل هذه الأيام من العام الماضي قد بدأت كتابة موضوعات عن "الهجرة النبوية " .. نشرت بعضها في حينها ثم حالت المقادير دون إتمامها .. واليوم إن شاء الله أبدأ في إتمامها .. وحتى تكتمل الفائدة .. وتتواصل الفكرة .. إليكم روابط الموضوعات التى نشرت في العام الماضي .
.
.






.


.








.

.


.


الهجرة النبوية 3


.
.
.
بين التوكل على الله ... والأخذ بالأسباب
.

.

أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوكل على الله وأن يأخذ بأسباب النجاة .... والنجاة بحساب البشر وظن المخلوقين : ألا يصل المشركون إلى الغار .. وألا يدركوه صلى الله عليه وسلم في الطريق ... لكنهم يصلون إلى الغار ...... ثم يكتب الله له النجاة ليس بأسباب اتخذها صلى الله عليه وسلم ولكن:


.
.


.

"أيده بجنود لم تروها " التوبة 40


.
.

ثم في الطريق : صخر ينشق ويبتلع قوائم فرس سراقة ....

.
.
.لولا أن الله كتب النجاة لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة الربانية التى لا دخل للبشر ولا لقدراتهم ولا لأسبابهم فيها ... لولا ذلك لاعتقد الناس أن النجاة كانت بسبب حذر النبي صلى الله عليه وسلم وحيطته الشديدة وفطنته وذكائه وتخطيطه ...و...و...
.
.
.
ولو فعلوا ذلك فتعلقوا بالأسباب وأغفلوا التوكل على الله لهلكوا ولكن الله كما حفظ نبيهم صلى الله عليه وسلم .... حفظهم .
.
.
.
ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج هكذا متوكلاً على الله بغير أسباب لتواكل الناس وأهملوا السعي ... أو سعوا بلا فكر ولاروية ولا تدبير ولا تخطيط ... ولأغفلوا العلاقة بين السبب والنتيجة وبين المقدمات والنهايات ... فما عمرت دار ولا استقر قرار ولخربت الدنيا وقد أراد الله عمارتها .
.
.
.
ارجع بنا إلى القرآن ليلخص لك كل مافات بل قل إن شئت ليشرحه لك ويزيدك عليه ولكن في كلمات معدودة:
.
.

.
"ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور" لقمان 22
.
.
.

والله إنى لأعتقد أنك عرفت الآن ومن الآية أكثر مما عرفت من مقدمتي الطويلة وأنك فهمت من هذه الكلمات القليلة أكثر مما فهمت من ألفاظي وعباراتي..... وتلك عظمة القرآن وسر حلاوته أن كلماته القليلة قد تشرحها كتب ضخمة ثم تعود إلى كلماته فتراها أعذب من كل كلام والأغرب من هذا أنها لا تزال تشرح لك وتقذف في نفسك من المعانى مالا تحمله الكتب والمجلدات ...
.
.
.


1- " يسلم وجهه إلى الله "


.
.
يتوكل على الله حق توكله .. واثقاً في قدرته .. مطمئناً إلى حلمه وعلمه .. يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه .. وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له .. ولو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه بشيء قد كتبه الله عليه ... ثم يرضى بما قسم الله له . ويطمع في مثوبة الله وعاقبة الأخرى أكثر من طمعة في ثناء الناس وعاجلة الدنيا ... ثم يعلم أن الدنيا متاع وأن الآخرة قرار وأنه من أجهل الجهل أن يحلم بالقرار في دار المتاع ثم يعلم أيضاً أن الدنيا دار عمل ولا جزاء وأن الآخرة دار جزاء ولا عمل وأنه من أحمق الحمق أن يتوقع الجزاء وهو في دار العمل .
.
.
.


2- "وهو محسن"

.
.
سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " رواه البخارى ... ومعلوم أن رؤية العامل لصاحب العمل ومراقبة صاحب العمل للعامل تدفع إلى إحسان العمل وإتقانه وضبطه ... على هذا جبلت نفوس البشر ... ولله المثل الأعلى ..
.
.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " رواه مسلم
.
.
.
والحديث يختار نموذجاً غريباً للإحسان ... ألا وهو إحسان القتل والذبح وما من عاقبة لهما إلا الموت وإزهاق النفس ويدلك على أسباب ذلك من إحداد الشفرة وإراحة الذبيحة .
.
.
.

وقد يقول ميكافيللي النزعة : طالما أن النتيجة هى الموت فلا علينا أن نبلغها بأي طريق ... فليعلم أن الإسلام أمرنا بالإحسان حتى فيما نبلغ به الموت .. فلا أقل من الإحسان فيما نبلغ به الحياة .
.
.

فقوله "وهو محسن" يعنى الأخذ بالأسباب الكفيلة بإخراج عمله في أحسن صورة مما تعارف عليه البشر ودلت عليه تجارب الحياة وخبرات المجربين .
.
.
.


3- "فقد استمسك بالعروة الوثقى"

.
.


العروة الوثقى : حبل السلامة وطوق النجاة .
.
.

النجاة من الكفر ... من الفقر ... من الأعداء ... من الظالمين ... من الفشل ... من الهلاك ... من العقوق ...
.



وهل يشغلك إلا النجاة ... وهل تريد غيرها ...!!؟؟
.
.
.


4- "وإلى الله عاقبة الأمور"
.
.



وهذا مربط الفرس.

.
.

ذلك أن أحدنا يعتقد أن الأسباب تؤدي إلى نتائج بعينها فيذاكر مثلاً ... ويجتهد ويتوكل على الله ليتجح ويتفوق ويدخل كلية الطب مثلاً.
.
.

فيذاكر فعلاً ويجتهد حقاً ويتوكل على الله صدقاً .. ثم ينجح وقد يتفوق أولا يتفوق ثم لايدخل كلية الطب ...
.
.


أخي : إن الله لايريدك طبيباً : هو يريدك مهندساً أو عالماً أو مدرساً ... أو صانعاً أو تاجراً .. وفي هذا نجاتك ونجاحك وفلاحك وإن كانت خلاف ما أردت وتوقعت ... لأن عاقبة الأمور إلى الله وحده وليست إليك.
.




علىّ طلب العز من مستقره *** ولا ذنب لي إن خالفتني المقادير


.


..
أخى : توكل على الله وكأنه ليست هناك أسباب . ثم خذ بالأسباب إلى أقصى درجة تبلغها إمكاناتك وقدراتك المتاحة في حدود ما أحل الله ومن غير أن يطغى ذلك على حقوق الآخرين أو حريتهم أو كرامتهم .
.
.

فإذا فعلت ذلك فقد ضمن الله لك النجاح والفلاح "استمسك بالعروة الوثقى "
.
.

ولكن هل ستصل إلى ذات النتيجة وعين العاقبة التى كنت تظن أن أسبابك توصل إليها ... أم أنك قد تصل إلى نتيجة أخرى مخالفة تماماً لما كنت تتوقع وإلى عاقبة أخرى لم تكن في حسبانك .
.
.



هذا ليس إليك ... هذا إلى الله

.
.



"وإلى الله عاقبة الأمور"
.
.
.


الأخذ بالأسباب فرع ... بينما التوكل على الله أصل .

.
.

إذا انقطعت الأسباب لم ينقطع مسببها

.


.




الأسباب لا تعمل بنفسها لكن رب الأسباب يعمل بنفسه


.
.



وإليك هذا المثال الصارخ

.
.


"هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين" يونس 22
.
.
.

ليتك ترجع إليها في القرآن ... ثم ترى ماذا قال فيها العلماء والمفسرون وإنى لفى انتظار إفادتك وردك "
.
.



والله معك ويرعاك؛

الاثنين، ديسمبر 21، 2009

عادوا ... وعدنا ....

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله ..
.
وبعد ؛
.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


.


شكر الله لكم أيها الزائرون الكرام والأحبة علي الدوام ....


شكر الله لكم زيارتكم وبارك لي ولكم فيما قرأتم وفيما كتبتم وتركتم من رأي ونصح أسأل الله أن ينفعني وينفعكم به.
.
أما بالنسبة لهذه الفترة الماضية التي قضيتها في سجن الغربينيات بمدينة برج العرب بالإسكندرية . فلا أراها إلا هبة من هبات مولاي ونعمة أنعم بها علي لأري كثيرا من آلائه ماكنت لأراها إلا بتقديره وأنعم بعظيم آياته التي شاء أن يكون مكانها هناك وزمانها هناك ورجالها هناك ؛ أتي الله بهم من داخل مصر من الشرقية والسويس وسيناء والعريش ورفح ومن الإسكندرية من رملها والسيوف ومن ورديانها والقباري ومن رأس التين فيها والأنفوشي ومن خارج مصر من غزة ومن فلسطين .......جمع الله كل هؤلاء علي غير أرحام ولا أموال ولا مصالح يتعاطونها إلا أنه سبحانه جمعهم علي قضية واحدة وهي حب وطنهم والتفاني في خدمة أمتهم والرغبة في إخلاص العبودية لله وحده والشوق إلي التأسي والاقتداء برسوله صلي الله عليه وسلم ......
.

ووالله لوخيرت بين خروجي من محبسي وخروج أحد من إخواني لاخترته واستبقيت نفسي ولوكان ذلك التخيير بيني وبين مسلم غيري في مشارق الأرض أو في مغاربها لاخترته طالما كان له في الإسلام نفع وكان فيه للمسلمين خير وكان له في الأعداء بأس شديد ونكاية بها يكيد .. ووالله ما أنا بفرح بخروجى بشيء من الدنيا إلا أن يكون قربة إلى مولاى أو عز يعز به المسلمون أو سبيلا إلى الموت في سبيل الله .
.

ووالله ما أنا براء فرقاً بين أحد من ذويِّ وبين غيرهم من المسلمين حتى لكأن كل أبناء المسلمين أبنائي وكل بناتهم بناتي وأمهاتهم أمي وكل شيوخهم وعجائزهم أجدادي وجداتي وكل نسائهم محارمى وأخواتي وحتى لكأني صرت وكيلاً عنهم جميعاً ونائباً أتحدث بلسانهم وأبث إلى الله شكواهم وأرفع إليه حوائجهم وقضاياهم وأفرح لخير نالهم وما نالنى منه شيء وأحزن لهم أصابهم وما أصابني منه إلا بلوغ الخبر ... ولا أجدني فى ذلك كله إلا أدناهم يسعى بذمتهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق والحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم " المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ...." . رواه ابن ماجة
.

وما أرى إلا أننى أخرجت من سجن صغير إلى سجن كبير "الدنيا سجن المؤمن" وما أحببت في دنياي إلا إخواني وما ملأ على دنياي إلا دعوتى وما كنت أعود إلى بيتي إذا جن المساء إلا أنه بقية دعوتي وجزء من فكرتي وإلا لأعد نفسي وروحي للقاء إخوانى والتحرك بدعوتي في الصباح فإذا خرجت كان ذلك كل همي ومبعث حزني أو غمي أو سر فرحي وسرورى حتى أعود في المساء إلى بيتى ... وما رأيت زنزانتى إلا مثل بيتي أدخلها حين يحين وقت دخولها في المساء فيغلق بابها على من فيها فأعد نفسي وروحى للقاء إخوانى ودعوتى في الصباح فإذا التقيتهم أخذوا بيدي وأخذت بأيديهم وأقالوا عثراتي وأقلت عثرتهم ومازحونى ومازحتهم وشاركتهم الطعام والشراب والصلاة والدعاء وقاسمونى الفرح والسرور وشاطرتهم الهم وأحزان المسلمين في غزة وفي فلسطين ودارفوروالسودان والهند وكشمير وماندينو والفلبين وأحزان ليبيا ومآسي المصريين وكوارث العراق وما حملت والحمد لله هم طعامي وشرابي يوماً ... أو بعض يوم .
.

وكذلك بيتي فما عدت يوما وأنا أفكر في الراحه أو النوم وما خطر علي قلبي يوما أنى أجالس أهلى وولدى لأتسلي بهم وإنما أحمل هم هدايتهم واستقامتهم وماحملت يوما هم طعامهم ولاشرابهم .
.

وما أري إلا أني خرجت من ميدان جهاد صغير محدود بجدران وأسوار إلي ميدان أكبر لايعلم حدوده ولا يدرك منتهاه إلا الله .. ومن لقاء إخوان أعرف عددهم وأسماءهم جميعا إلي لقاء ألوف لا يحصيها إلا الله لا أعرف من أسمائهم إلامن قدر لي أن أتعرف عليه .. ومن مهمة الدعوة إلي الله في محبس صغيرإلي مهمتها في بقاع قد وطأتها من قبل وقد أطأها لأول مرة .. ومن صبر مع الإخوان إلي صبر معهم ومع غيرهم .. وزادي في ذلك كله كتاب الله وقدوتي رسول الله صلي الله عليه وسلم وعدتي الصبر وأملي الاحتساب ورجائي أن يرضي الله عني وخوفي أن يحبط عملي عجب أو رياء .
.




والله من وراء القصد ؛


الثلاثاء، ديسمبر 08، 2009

اكتمال الصورة ............. (4)جد متروك

اكتمال الصورة (4)

.

.


جد........... " متروك "

.

.


أتت امرأة من الأنصار إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسألته عن أشياء تتعلق بأمور النساء مما قد تستحى المرأة أن تسال عنه ، فأجابها النبى صلى الله عليه وسلم ، وكانت السيدة عائشة رضى الله عنها ترقب الحوار .... تسمع سؤال المرأة ... وتنصت إلى جواب النبى صلى الله عليه وسلم ، فسرت رضى الله عنها بذلك فقالت " نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين " .

.


والسيدة عائشة رضى الله عنها تثبت هنا أن الحياء عندهن وأنهن متصفات به وأنه قد تم وكمل فيهن فلم يمنعهن أن يتعلمن دينهن .... وهذه العبارة خير من عبارة بعض الناس " لا حياء فى الدين " ..... إذ الدين كله حياء .... وربما يقصدون " لا حياء فى تعلم الدين " ..... ولا تزال العبارة غير صحيحة فالحياء كله فى تعلم الدين والنبى صلى الله عليه وسلم يقول فى الحديث ... الحياء والإيمان قرناء فإذا وجدا ... وجدا جميعا ، وإذا رفعا ... رفعا جميعا ..... ولو أننا قلنا لاحرج فى الدين لكان أولى لقوله تعالى :" ماجعل عليكم فى الدين من حرج" آخر سورة الحج.

.


أذكر هذه المقدمة .... وأذكر نفسى وأذكركم بها ..... لأننى ربما استحييت أن أقص هذه القصة ..... ولكن لما رأيتها نافعة ..... ولعلها تصحح مفاهيمنا وتصوب افعالنا وسلوكنا .... لما رأيت ذلك لم يمنعنى الحياء من ذكرها .....وأود ألا يمنعكم الحياء من قراءتها بإمعان ....... .

.

.

زارنى يوما رجل مسن لإجراء بعض الفحوص المتعلقة بالصحة العامة ووظائف الكبد والكلى والقلب ...
الرجل شيخ هرم اشتعل رأسه ولحيته شيبا ، قد انحنى ظهره واعتمد على عصاه فصارله ثلاث سيقان .... لكن نتائج الفحوص كانت مبهرة .... فالرجل كأنه شاب فى العشرين أو الثلاثين .... وظائف أعضائه تنم عن صحة وعافية .... سألته : كم مضى من عمرك ..؟!

قال: ثمانون .... هنأته على العافية ودعوت له بمزيد من السلامة والمعافاة ...
اقترب الرجل وهمس فى أذنى : هل عندك علاج لــ .... وأشارة بإصبعه إشارة .... فهمت أنه يريد علاجا لعضوه ...... المرتخى .
هششت في وجهه وبششت .. وقلت :
لا .. ليس عندي.
شكرنى الرجل وانصرف .. ولكن نفسي لم تنصرف عنه
" رجل مسن في الثمانين، شعره كتان أبيض .. وظهره قد تقوس وانحنى .. ولازال مشغولاً بما ينشغل به الشباب والمراهقون .. كان أولى به أن ينشغل بقرب أجله .. ويستعد للموت .... و .... و ... و ...... "


.


بعدها بعدة أيام .. كنت ذاهباً لزيارة أخى وصديقي الدكتور ممدوح جابر غريب أخصائي الأمراض التناسلية ..رأيت الرجل خارجاً من عيادته قد اتكأ على عصاه وأمسك باليد الأخرى " تذكرة طبية" ... سلمت عليه ورد علي السلام وانصرف .. ولكن نفسي لم تنصرف عنه ... "رجل مسن في الثمانين ..... و ..... و ....... "

.


بعدها ببضعة أشهر انتقلت إلى مسكن آخر في الحي المجاور لسكنى القديم .. وترددت على المسجد المقابل لبيتي .. فكنت ألقى هذا الرجل هناك .. فأدركت أنه يسكن قريباً من بيتي .... .


كان لنا جار " أبو متروك " يصلى معنا في المسجد .. تعرف عليّ وتعرفت عليه وأحبني وأحببته وزارنى وزرته وتعرفت زوجتى على زوجتيه وبناته وكان بيننا ود وصلة يغبطنا الناس عليها .
.
و
ذات يوم عادت زوجتى لتقول :
والله غريب أمر هؤلاء النسوة : رجل في الثمانين من عمره قد انحنى ظهره ودنا أجله وهن يحتجبن منه ... لما دخل وسمعن صوت قدميه والعصا ... أسرعت كل واحدة منهن إلى خمارها فغطت رأسها ووجهها ... واختفت ... قلت لهن : هذا رجل من "غير أولى الإربة " ... هذا رجل في الثمانين من عمره .. وقد بلغ به الكبر مبلغه ... وأنتن تحتجبن منه ... عجيب أمركن ... "
فردت إحداهما : هذا الرجل لم يتزوج قط .
فقالت زوجتى ببراءة : حتى ...... ولو .......
.
قلت : أي رجل تقصدين ؟! قالت :
جد "متروك " ... هو ليس جده مباشرة ... هو عم أبيه .... هذا الرجل الذي يصلى معكم في المسجد ذو اللحية البيضاء والشعر الأبيض ...
أدركت أنه ربما يكون هو .... وأدركت أن في الأمر سراً ....
.
لقيته بعدها في صلاة العصر ... صافحته وسألته :
أنت جد "متروك " ؟!
قال : نعم .. قلت : أنت لقيتنى يوماً في المستشفى وسألتنى عن دواء لـ ..... وأشرت باصبعى كما أشار هو لى أول مرة .. فقال :
نعم .. وهل عندك دواء ؟!
.
قلت : أحب أن أعرف الحكاية من أولها .. فإذا كان عندى دواء أرسلته إليك مجاناً
فقال:
بارك الله فيك ومتعك بالصحة والعافية ... حدثت لى حادثة وأنا شاب صغير .. خرجت منها والحمد لله سليما ً صحيحاً .. وبكامل عافيتى ... إلا من هذا .. وأشار باصبعه كما أشار أول مرة ... لم يكن عندنا وقتها طب ولا دواء ... فلما تغيرت الأحوال وجاءنا الأطباء والصيادلة منذ بضع سنين ... قلت لنفسي : لعل الله يعيد إليك ما فقدته منذ ستين سنة .. كنت أتمنى أن تكون لى زوجة أحتضنها وتحتضننى ولو ليلة واحدة قبل أن أموت .. ولكن قدر الله وماشاء فعل "
.
دارت بي الدنيا .. ودارت رأسي .. فلم أقو على القيام ولا على الكلام ....

استأذن الرجل وقام ... وانصرف .. ولكنى لم أقم .. لم تحملنى قدماي ....
.

آه ..... "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ..... "
(سورة إبراهيم :34 )
.
كم من النعم نحن نتقلب فيها بالليل والنهار .. وقد حرم غيرنا منها .. ونحن لاندرى .. لا ندرى أنها نعمة .. ولا ندرى أن غيرنا محروم منها .
.
كم من الناس نلومهم على تصرفاتهم بدعوى أنها لاتناسب سنهم أو مركزهم أو وجاهتهم أو ... ونحن لاندرى دوافعهم ومبرراتهم والمصائب الكامنة ..... وراءهم .
.
كم مرة أسأنا الظن ... ثم أسأنا القول ... ثم أسأنا الفعل والسلوك ثم اكتشفنا أننا أخطأنا في ذلك كله ......
.

.



"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن " (سورة الحجرات :12 )



السبت، نوفمبر 21، 2009

سلام .. بشرى .. وهدية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
.
زوار المدونة الكرام :
.
كل عام وأنتم إلى الله أقرب ..
.

لكم عندى سلام وبشرى وهدية
.
أما السلام .. فهو من أبي يرسله لكل واحد منكم مغلفاً بدعوات صادقات :)
.
وأما البشرى .. فهي الحكم باخلاء سبيل الدكتور توكل مسعود ومن المنتظر أن ينفذ هذا الحكم خلال عشرين يوما
.
وأما الهدية .. فهى مقالات "ليشهدوا منافع لهم "
.
.
.
.
ولا تنسونا من دعوة صادقة .. جزاكم الله خيراً
.
.
إسراء توكل مسعود

الاثنين، نوفمبر 02، 2009

اكتمال الصورة .....(3) الحر والبرد

.


3- الحر والبرد
.
.

كنت أطالع كتاباً في الرقائق يتحدث عن التخويف من النار والتعريف بأهوال يوم القيامة. قرأت الكتاب من أوله حتى منتهاه فلم أر فيه جديداً . إلا أن مؤلفه جمع آيات القرآن الكريم الواردة في وصف القيامة وأهوال جهنم أعاذنا الله منها وجيش عدداً ضخماً من الأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول نفس الموضوع .. وإن كانت مثل هذه الكتابات لا تستهويني كثيراً لأنها نوع من السرد وتحصيل الحاصل..أو بتعبير جدتي رحمها الله (توفيت عن ثمانين عاماً سنة 1970 ) "دق المية في الهون"

إلا أنها أحياناً تكون فيها فائدة .
.
.
عثرت في آخر الكتاب على هذا الحديث النبوي الشريف :
"إذا كان يوم شديد الحر وقال العبد:لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرنى من جهنم ومن حر جهنم ، قال الله لجهنم : إن هذا عبد من عبادي قد استجار بي منك وإنى قد أجرته ، وإذا كان يوم شديد البرد قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرنى من جهنم ومن زمهرير جهنم ، قال الله لجهنم : إن هذا عبد من عبادى قد استجار بي منك،وإنى قد أجرته" رواه البيهقي

.

وجدت في هذا الحديث راحة كبيرة،ذلك أن الحر والبرد من الظواهر المناخية المتكررة طوال العام ، وقليلة هى البلاد التى تتمتع بمناخ معتدل .

.

ومع الحر الشديد أو البرد الشديد يجد الإنسان نفسه مضطراً لأن يقول شيئاً... فإما أن يعبر عن استيائه من الحر أو البرد .. أو يعبر عن تألمه فيتأفف .. ويشكو ولكن ..... لمن؟! أو قد يكون مجاراة للناس من حوله، إذ هم لا يتكلمون إلا في الحر والبرد ،وكأن كل مشاكل الدنيا قد حلت ... ولم يبق إلا الحر .. والبرد . وكأن كل واحد من الناس يريد أن تكون الدنيا على مقاسه وحجمه وظروفه ... .

.

وكان الصالحون قديماً إذا تأفف الناس من الحر .. أو البرد : يصححون لهم مشاعرهم وأحاسيسهم فيقولون"على مراده" بمعنى "هو ملكه يصرفه كيف يشاء حراً أو برداً "

.

وجدت في هذا الحديث سلواي : إذ أستطيع أن أعبر عن استيائي من الحر ، ولكن بذكر الله وليس بكلامى الذي كما يقولون "لايودى ولا يجيب"، وثانياً لأنى أشكو الحر .. والبرد ولكن لخالق الحر والبرد، فالشكوى هنا لله وليست للناس ، كما أننى فهمت من الحديث إن الحر والبرد يذكرانى بحر جهنم وبردها ....

فأقول لنفسي: حر الدنيا ... ولاحر الآخرة

وبرد الدنيا ... ولا برد الآخرة.
.

كما أننى فهمت من الحديث أن الإجارة من جهنم ومن حر جهنم أو من بردها تعنى :

الإجارة منها في الآخرة ... يوم القيامة .
.

ولبثت ما شاء الله لى أن ألبث ... بهذا الفهم .
.

وبعد سنوات أخرى : كنت أقرأ في كتاب "سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي.

ومررت بسيرة علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقرأت : "كان علياً لا يبالي أن يلبس ملابس الشتاء في الصيف أو أن يلبس ملابس الصيف في الشتاء ، فلما سئل عن ذلك قال: ‘إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لي فقال " اللهم قه الحر والبرد" .
.

كنت أقرأ هذا الحديث وأقول في نفسي " يا بختك يا علي"

ومرة أخرى أقول "يا بختك يا أبا الحسن"
.

وقيت الحر والبرد في الآخرة لأنك من العشرة المبشرين بالجنة

ووقيت الحر والبرد في الدنيا بدعوة مخصوصة من النبي صلى الله عليه وسلم

.

ولبثت ماشاء الله لى أن ألبث بهذا الفهم ،حتى وقعت على هذا الحديث:

"اشتكت جهنم لربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً ... فأذن لها بنفسين : نفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من حر الصيف .. ونفس في الشتاء فهو أشد ما تجدون من برد الشتاء ..."
.
.
فقلت: سبحان الله : إن حر الصيف هو نفس من أنفاس جهنم

وإن برد الشتاء هو نفس من أنفاس جهنم


حتى كان يوم من أيام الحر اللافح وتذكرت الدعاء : لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم .. اللهم أجرني من جهنم ومن حر جهنم " فإذا بها تقفز أمامى :

الإجارة ليست فقط " من جهنم" وإنما " من حر جهنم"

هذا الحر الذي أنا فيه" هو حر جهنم" .. هو نفسها الذي تتنفسه في الصيف
.

أنا الآن لا أسأل الله شيئاً واحداً .. أنا أسأله شيئين :

الإجارة من جهنم .. في الآخرة

والإجارة من حر جهنم .... في الدنيا
.

والله سبحانه إذا استجاب دعائي فأجارني فقد أجارنى من الإثنين:

من جهنم .... في الآخرة

ومن حر جهنم ... في الدنيا
.

اذن : المسافة بيني وبين "علي" ليست بعيدة ، وليس البون شاسعاً.

.

أما على : فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته مستجابة.

وأما أنا : فأدعو لنفسي ... ودعوتى قد تكون مستجابة .
.
يعنى : إذا اجتهدت في الدعاء ... وأخلصت .. وكان كسبي ومطعمى حلالاً ودعوت بيقين وتضرع .. وخضوع .. وخشوع .. وخفية .. وهي شروط استجابة الدعاء ... إذا صنعت ذلك ممكن أكون مثل " على " رضي الله عنه .
.

إذا صنعت ذلك أجارنى الله من جهنم يوم القيامة ..... مثل " على "

وأجارنى من حرها وبردها في الدنيا ...... مثل "على"
.

إذن المسافة ليست كبيرة ؟؟؟؟ ........................ بل إنها كبيرة جداً

المسافة هى : الصدق
.

سئل الإمام أحمد : كم هى المسافة بيننا وبين عرش الرحمن ؟!

فقال رحمه الله : دعوة صادقة .
.

أصبحت لا أبرح هذا الدعاء في الحر أو في البرد ... حتى والله وجدتنى لا أتألم ولا أتأفف ولا أنزعج من حر .. ولا من برد.
.

ولكنني ألبس في الصيف ..... ملابس الصيف

وألبس في الشتاء .... ملابس الشتاء

الأحد، أكتوبر 25، 2009

اكتمال الصورة .......(2)إسناد القفا

.

إسناد القفا
.

.

الإسلام أعظم من أن يحيط به مخلوق ، والعلم أوسع من أن يجمعه رجل ، والفقه أجل من أن يختزل في عالم .

كان جدي رحمه الله قد درس الفقه المالكي ، وكانت كل آرائه في العبادات والمعاملات هي آراء مالكية .

كان رحمه الله إذا صلى وقف مستقبل القبلة .. منتصب القامة .. معتدلاً تمام الاعتدال .. ينظر دائماً إلى الأمام .

.

وكنت أرى الناس يصلون فيحنون رقابهم ؛ ينظرون إلى مواضع سجودهم ، كما يفتيهم بذلك العلماء إذا سألوهم : أين أنظر وأنا أصلى ؟

: في موضع سجودك .

.

وسألت جدي ذات يوم : لماذا لا تنظر في موضع سجودك وأنت تصلى ؟! لماذا تنظر دائماً إلى الأمام ؟!

فقال رحمه الله : أنا آخذ برأي مالك رضى الله عنه .

.

هل كان جدي رحمه الله مقلداً صرفاً ؟! أم كان يعرف دليل مالك وأدلة الآخرين واقتنع أن مالكاً هو صاحب الرأي الصحيح ... أو على الأقل .. صاحب الرأي الراجح ؟!!

هذا مالا أعرفه ، ولم أسأل عنه ، ولم يخبرني .
.

وتوفي جدي رحمه الله ... وعرفت بعد ذلك مجالس العلماء ، وخطوت نحو العلم خطوات .. وتصفحت مراجع الفقه وكتب التفسير .. فوقعت ذات يوم عليها .

.

إن مالكاً رضى الله عنه يرى أن النظر في موضع السجود هو اجتهاد من بعض الصحابة أو التابعين ، وهو يتنافى مع تمام القيام الذي أمرنا الله به حيث قال : "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد " الأعراف 29

وقال: "وقوموا لله قانتين " البقرة ، وقال: "خلقك فسواك فعدلك " الانفطار7

فتمام القيام وكمال الاعتدال يقتضيان النظر إلى الأمام واستقامة العنق مع الظهر
.

وغيره من الأئمة يقول: إن النظر في موضع السجود أقرب لإدراك الخشوع الذي هو روح الصلاة ، وبعض أصحاب هذا الرأي تجده يقول بعدها : ولا شك أن تمام القيام والنظر إلى الأمام أفضل لمن يقدر عليه .

.

ومرت شهور .... وسنون وبينما كنت أقرأ في كتاب من كتب الرقائق يذكر فضل قيام الليل إذ وقعت على هذا الحديث :

"وقيام الليل شرف المؤمن ... ومطردة للداء عن الجسد " رواه الترمذي

ووقفت طويلاً عند كلمة "مطردة" فوجدتها تعنى أمرين ؛ أولهما : أن الداء قد يزحف أو يتسلل إلى الجسد وقيام الليل يطرده، وثانيهما : أن الداء قد يكون فعلاً في الجسد ... وقيام الليل يطرده .
.

إنه وقاية .... وعلاج

.

ولكن : كيف ؟ وما العلاقة بين الصلاة التي هي قرآن ودعاء وخشوع وبين الأدواء التي تبرح الإنسان ؟!

.

ولكني سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقت بحديثه ، وتناولته بكمال الرضا ... إذ العبادات توقيفية ، وقد لا يعقل معناها ، وقد لا ندرك الحكمة من ورائها .
.

" وفوق كل ذى علم عليم " يوسف 76
.

ومنذ ثلاث سنوات وأنا أقرأ في كتاب "وحي القلم" للأديب المسلم البارع الفيلسوف الحكيم بلا منازع : مصطفى صادق الرافعي ، وفي رائعة من روائعه بعنوان : العجوزان .

.

يحكي قصة رجلين : كانا صديقين حميمين ... افترقا في سن الأربعين والتقيا وهما في سن السبعين ، فأما أحدهما فقد انحنى ظهره ، ولم تكفه ساقاه فاعتمد على ثالثة هى العصا ، ومشى يجر رجليه ، فإذا أراد القيام أو القعود : نظر إلى الناس من حوله ثم أشار إلى أحدهم قائلاً : "خذ بيدي من فضلك "

.

وأما الآخر فهو لايزال معتدل القامة ، رشيق القوام ، واسع الخطوة ، يصافحك فتشعر بعافية يده في يدك فتقول في نفسك " من منا العجوز " ؟!

.

ثم يبحث الرافعي ببراعة في حياة كل منهما ليخلص إلى أن سبب العجز والشيخوخة في الأول هو عادة طأطأة الرأس وانحناء القامة ، وأن سر الشباب والفتوة في الثانى هو عادة رفع الرأس وانتصاب القامة .

.

ويسميها الرافعي :
.

" إسناد القفا"
.

ومعناه أن تسند قفاك إلى ياقة قميصك أو معطفك ، فإن الذين اعتادوا "إسناد القفا " هم أشفى الناس ، وآخر من يعرف الداء طريقهم . فلما تمثلتها ... وجدتنى أنظر إلى الأمام وقد استقامت عنقي مع ظهري ......

.

ثم استمعت منذ عام إلى الدكتور / عادل عبد العال - أستاذ الطب البديل- وهو يتحدث عن فضيلة اعتدال القامة فيقول :

ان اعتدال القامة يشد عضلات العنق والظهر والفخذين والساقين ، فتظل هذه العضلات قوية مفتولة مما يضمن سلامة العمود الفقري والمفاصل ويضمن سلامة الجهاز التنفسي ويمنع ترسيب الدهون وتراكمها ... فإنها تتراكم فوق العضلات المترهلة ....
.

فقلت : سبحان الله .... صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

غفر الله لجدي ...... ورضى الله عن الامام مالك

ورحم الله الرافعي ..... وحيا الله الدكتور عادل عبد العال


وصلى الله وسلم وبارك على معلم الخلق أجمعين وعلى الرحمة المهداة للناس أجمعين.
.
.

اكتملت هذه الصورة في نحو أربعين سنة
.
.

الجمعة، أكتوبر 16، 2009

اكتمال الصورة ..........(1) البر لا يبلى




اكتمال الصورة .... (1)
.
.


1- البر لا يبلى
.
.


كنا نسكن في ضاحية من ضواحي الإسكندرية ، وكنا ربما لا نرى "وسط البلد" إلا لشراء مستلزمات المدارس والعيد وخصوصاً الحذاء من أجل ضبط المقاس .


.


ووسط البلد هو ميدان "المنشية" أو بالأحرى "ميدان محمد على باشا" ... ميدان فسيح تتوسطه حديقة ، ويتوسط الحديقة تمثال ضخم بأكبر من الحجم الطبيعي أقيم على قاعدة ضخمة ارتفاعها يقترب من ثلاثة طوابق ، والتمثال لمحمد على باشا وقد امتطى ظهر جواده وامتشق سيفه .


.


وكنت أسأل أبي: من هذا الرجل ؟! فيقول : محمد على باشا ... لايزيد على ذلك ، حتى كانت السنة السادسة الابتدائية ، وكان مما درسناه تاريخ الدولة العثمانية ، وبالذات في الفترة التى كانت مصر يحكمها "محمد على باشا" والذي يعتبرونه "مؤسس مصر الحديثة ".


.


وكنت أقول لنفسي : ما نسبة تمثال محمد على باشا ... إلى محمد على باشا ..


.




كلما رأيت سيارة أخى وصديقي المهندس / محمود خليل "الفولفو volvo "تذكرت هذه اللقطة من طفولتى .


.


فولفو volvo قديمة جدا .. لم يبق فيها مايدل على أنها فولفو volvo إلا كلمة volvo المكتوبة على جسم السيارة ، كلما رأيتها أقول لنفسي : إن نسبة هذه السيارة إلى السيارة volvo كنسبة تمثال محمد على باشا إلى محمد على باشا .


.


وكنت أحيانا أمازح المهندس / محمود خليل فأقول له : والله إن هذه السيارة فعلا فولفوvolvo ولكنها فولفو بك ، ولولاك ماكانت فولفوvolvo أبداً .... ثم أمازحه مرة أخرى فأقول له : "البركة بالسكان ... وليست بالمكان" .


.


ذات يوم وبينما كان محمود عائداً من عمله في الساحل الشمالي ، وبالتحديد عند منطقة "سيدي عبدالرحمن" ، وفي فصل الصيف القائظ وقت الهاجرة ... أبصر محمود شاباً على الطريق يشير بيده إلى السيارات المتجهه نحو الإسكندرية ، محمود يفكر في التوقف ... يهديء من سرعة سيارته .. يتوقف بعد مسافة ليست بالقصيرة .. والشاب خلفه هناك .. لازال يشير بيده ... ولكن أحداً لا يتوقف .


.


محمود يرجع بسيارته في الاتجاه الآخر، ثم يدور ، ويقف أمام الشاب ويفتح له باب السيارة الفولفوvolvo ويقول له : تفضل ... اركب .


.


يركب الرجل ويتجاذبان أطراف الحديث .. الصيف .. الحر .. المواصلات .. السياسة .. غلاء الأسعار .. زلزال اليابان .. حتى ظهرت معالم مدينة الاسكندرية .. فقال محمود للرجل : أنا ساكن في العجمى .. فقال الرجل : وأنا ساكن في الدخيلة بعدك بقليل ، سأنزل في العجمي وأركب أي سيارة أجرة للدخيلة .


.


سيارة محمود الفولفوvolvo لا تتوقف إلا في الدخيلة ، ويبلغ محمود بالرجل قريبا من بيته ، فيتزل الرجل شاكراً ممنوناً ، ويدعو محمود إلى الغداء ... الشاى ... حاجة ساقعة ... ولكن محمود يشكره ويعتذر .. ويعود إلى بيته بالعجمي .....


.


مر ما يقرب من ستة أشهر على هذه الواقعة .... وبينما كان محمود راجعاً من عمله في الساحل الشمالى وفي يوم عاصف ممطر مرعد مبرق ... تعطلت سيارة محمود الفولفو volvo عند "سيدي عبد الرحمن" .


.


محمود "مهندس مدنى"وكل علاقته بالسيارة : الجلوس أمام عجلة القيادة ، وتموين السيارة بالوقود من المحطة ،وملء مبرد الموتور بماء التبريد ، وتغيير الإطار الاحتياطى إذا لزم الأمر .


.


نزل محمود مستعيناً بالله ، ورفع غطاء الموتور ، وظل يتأمل في أحشاء السيارة المتهالكة .. أسلاك .. أنابيب .. مواسير .. مروحة ضخمة ... وكتل من الحديد لا يعرف بدايتها من نهايتها..


.


وبينما هو منكفيء تحت الغطاء يكاد يبكى من الحسرة والألم ... إذ سمع صوتاً يقول : مرحبا ياباشمهندش ... فرفع محمود رأسه : مرحبا بك ..


- خير ياباشمهندس


- تعطلت سيارتى هنا منذ عشر دقائق .. ولا أدرى ماذا أصنع


- تفضل يا باشمهندس ..ضع المفتاح .. ودور السيارة .


- هو انت بتشتغل إيه ؟


- كهربائي سيارات


.


يجلس محمود على مقعد القيادة ويدير المفتاح .. وصاحبنا يقول : تمام .. لا .. ارجع ... دوس بنزين .. دور تانى ... حتى دارت السيارة .


.


فتح الرجل باب السيارة وجلس على المقعد المجاور لمقعد محمود فشكره محمود وأثنى عليه ودعا له بخير .


- خيرك سابق ياباشمهندس


- هو احنا اتقابلنا قبل كده ؟!


- نعم كنت أقف على الطريق هنا في الصيف الماضى ... وحملتنى بسيارتك هذه إلى الدخيلة .. وانت بالأمارة ساكن في العجمى .


.


فقال محمود : سبحان الله ، كنت أظن أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم "البر لا يبلى " معناه أنه لا يضيع أجر فاعله عند الله ، وأن الله يحفظ أجره ويصونه حتى يوم القيامة .. لكن اليوم اتضحت الصورة واكتمل فهمى للحديث ... فإن البر لا يبلى في الدنيا أيضاً .. وها هو البر الذي صنعته في يوم من الأيام لم يبل ، وقد رده الله إلى في وقت أنا أحوج ما أكون إليه .. وظل محمود يتحدث مع صاحبنا حول هذا الحديث النبوي الشريف المبارك حتى وصلت السيارة الفولفو volvo إلى الدخيلة وأراد الرجل النزول ...


فقال له محمود: يا أخى أنا لم أتشرف بالتعرف عليك حتى الآن .. أنا أخوك محمود خليل مهندس مدنى بالساحل الشمالى


فقال له الرجل : وأنا أخوك جوزيف .. كهربائي سيارات


يقول محمود: لقد ازدادت الصورة الأن وضوحا.....إن البر لايتعلق بديانات الناس ولا بجنسياتهم... إن البر هو الإحسان إلى الإنسان حيث هو إنسان لاغير... أو لم يقل الله:" لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم .." سورة الحديد !!!!!
.
.


اكتملت الصورة في ستة أشهر





************************






تنويه واعتذار:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




زوار وزائرات المدونة الكرام .. أعتذر لكم في تأخرى عن وضع تدوينات جديدة في الفترة السابقة - منذ شهر تقريباً - فما كنت لأغفل عن أمانة تركها لى أبي ولكن أنا أنتظر حتى تأتيني التدوينة من أبي "سجن برج العرب" .. وما شغلنى عن الكتابة إلا كما يقال " الشديد القوي" .. فالواجبات أكثر من الأوقات .. وفقط


.


إسراء توكل مسعود