شفافية
.
"إذا أردت ألا ينقدك أحد فلا تقل شيئا، ولا تفعل شيئا، ولاتكن شيئا"
ويليام شكسبير
.
مقدمة.
.
.
"كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ". جملة حكيمة تنسب إلى الإمام حسن البنا رحمه الله، لازالت الأيام تكشف عن صحتها وصدقها..
.
حديث آخر حدثناه الأستاذ الدكتور "إسماعيل على" الأستاذ بجامعة الازهر الشريف أن الأستاذ الدكتور سيد نوح حدثهم أن العالم الجليل الشيخ عبدالبديع صقر قال يوما لبعض تلامذته: " إن لم تجعل عقلك فوق مستوى الكاتب فلا أقل من أن يكون فى مستواه"..
.
والعلاقة بين العبارتين: أن الثانية لازمة لحدوث الأولى وسابقة لها، ولولا الثانية ماكانت الأولى..... كما أننى أفهم أن المقصود من كلام الشيخ "عبدالبديع صقر" رحمه الله أن تكون ناقدا لكل كلام تقرؤه لتعرف ماذا تأخذ وماذا تترك، وليس مقصودا أبدا أن يتعالى كل قارىء على كل كاتب وهذا بدهى.
.
كما أنه بدهى أيضا أن تكون هذه الحاسة النقدية ليست مقصورة على قراءة ماهو مكتوب ومسطر وإنما هى ممتدة لتشمل كل الحواس فتكون الأذن ناقدة لكل ماهو مسموع والعين فاحصة لكل ماهو مشاهد ومرئى حتى يصير المرء ذواقا .... ليس فقط للمآكل والمشارب وإنما لكل ما تقع حواسه عليه..
.
كما أنه بدهى أيضا أن مثل هذه الحالة النقدية وتلك الحاسة الذواقة ليست لأجل تلمس الهفوات وتتبع العثرات وإنما يعبر عنها الإمام حسن البنا وهو يتحدث عن واجبات الأخ العامل فيذكر منها : " أن يكون شديد التأثر بالحسن وبالقبح فيفرح ويسر للأول ويحزن ويتألم للثانى"... ولا شك أن ذلك ينتج إبراز الإيجابيات وإشهارها وبذل كل الجهد الممكن لإقناع الأمة بتبنيها واحتضانها وأيضا التنويه على السلبيات لتفاديها والتحذير منها لضمان عدم تكرارها.
.
هذا الذى تعلمته من أساتذتى الكرام ومشايخى العظام.
.
.
تمهيد:
.
.
ليس حديث الثلاثاء الذى يقيمه الإخوان المسلمون بمسجد عصر الإسلام بمنطقة سيدى جابر بالإسكندرية حديثا عاديا، وإنما هو حديث مرموق أحسب أن كثيرا من أجهزة الرصد ترقبه وأن العيون والأبصار تسمعه إذ الاستماع بعين البصيرة فوق الاستماع بصماخ الآذان، وماذاك إلا لأنه يعبر عن وجهة نظر الإخوان المسلمين فيما يدور بدنيانا من أحداث كما أنه يحدد ويصف بدقة مدى مابلغوا من مستوى ثقافى وأخلاقى.... لذا وجب أن يحظى بالاهتمام والرعاية من كل جوانبه ليس تكلفا وإنما هماً..... حماية له من أن يخضع لذوق خاص أو رؤية شخصية محدودة لاترقى بحال إلى مستوى الجماعة أو قل إن شئت إلى مستوى الأمة إن كانت الجماعة تعبر بصدق عن الأمة وتحمل همومها وتتحدث بلسانها .
.
.
.
كان حديث الثلاثاء فى الثانى والعشرين من مارس المنصرم غير سابقيه إذ كان المتحدث هو الأستاذ جمعة أمين نائب المرشد العام للإخوان المسلمين وكان عنوان الحديث: "رؤية حول الأحداث" وفهمت أن الرؤية هى رؤية "الإخوان" وأن الحدث هو "الثورة" وقد تعذرنى فى فهمى أو لاتعذرنى فأنت وذاك .... وتشوقت أن يكون الحديث بهذا النحو إلا أن الحديث عن الثورة لم يستغرق أكثر من عشر دقائق بينما كان بقية الحديث عاديا يصلح أن يقال منذ ثلاثين عاما وقد ذهب بنصيب الأسد...وهذه الأولى.
.
وأما الأخرى فإن القدر اليسير الذى تناول حدث الثورة تحدث فيه أستاذنا الكريم عن أمرين اثنين:
.
أما الأول فهو فضل الإخوان على الثورة متمثلا فى تحملهم الكامل لعبء "معركة الجمل" أو "موقعة الجحش" كما سمعت ورأيت ذلك الاسم مكتوبا فى ميدان التحرير... ثم نوه أن هذا الكلام ليس منا ولا أذى . وكأنه: "يكاد المريب يقول خذونى".
.
لقد كان غير الإخوان فى تلك الليلة مشاركا بنفسه وماله وجرح وقتل من الإخوان ومن غيرهم وإن تحمل الإخوان العبء الأكبر لخبرتهم وقدرتهم التى سمحت لهم تجاربهم ببلوغها ... شهد بذلك كثير من المنصفين من غير الإخوان المسلمين أذكر منهم الدكتور "مصطفى الفقى" والصحفى "بلال فضل" وكانت تكفينا شهادة غيرنا إذ هى شرف لنا ووسام على صدورنا، أما شهادتنا لأنفسنا فهى محض من وأذى... ولاأنسى إذا نسيت قول النبى صلى الله عليه وسلم: "سبق درهم ألف درهم".
.
رب ليلة باتها شاب فى "ميدان التحرير" من غير "الإخوان المسلمين" كانت خيرا على الأمة من ليالى الإخوان جميعا ورب جنيه أنفقه معوز فى ليلة الجمل كان بركة على ميدان التحرير من كل أموال الإخوان." وما النصر إلا من عند الله".
.
وأما الأمر الآخر المتعلق بالثورة فى حديث شيخنا الجليل فإخباره عن "حبيب العادلى" بأنه سجن فى نفس عنبر "الشاطر" وحوكم بنفس التهمة التى حبس بها "الشاطر".. وكأن "العادلى" لم يظلم إلا الشاطر ولم يسجن إلا عقوبة له على ظلم الشاطر أو على أوسع التفسيرات وأحسنها خروجا من الرؤية الظاهرية لحديثه :"ظلم العادلى للإخوان المسلمين" باعتبار الشاطر رمزهم العالى وممثلهم الغالى فى عنبر الإخوان المسلمين بسجن مزرعة طرة.
.
إن اختزال ظلم العادلى فى حدود الإخوان المسلمين لهو ظلم كبير لهذه الأمة وتضييع لحقها... لقد ظلم العادلى كل رجال ونساء هذه الأمة صغارا وكبارا داخل حدود مصر وخارجها بدءا ببائعى الخضار والفاكهة وبائعى الملابس والأحذية على الأرصفة وانتهاء بخيرت الشاطروإخوانه ومرورا بالجهاد والسلفية والجماعات الإسلامية بل وكثير من التهم الجنائية والتلفيقات الإجرامية التى يعلم الله أن أصحابها منها برآء ولكن القضاة لايعلمون أو لايعدلون ... ورب ليلة باتها مظلوم لانعلم له اسما ولا عنوانا أو دعوة دعاها مكلوم فى غرفة بعيدة عن عنبر الإخوان وعن سجن مزرعة طرة اهتزت لها السماء وتزلزلت منها الأرض فكانت نقمة على العادلى: "سبق درهم ألف درهم".
.
ثم كانت ثالثة الأثافى: ذلكم الهتاف التترى البربرى الذى تردد فى أنحاء المسجد: "نقتحم اليابس والأخضر" والحق الذى لا مرية فيه أن هذا الهتاف لا يعبر عن الإخوان المسلمين بحال فما كانت دعوتنا لتقتحم اليابس والأخضر ولكن لتصلح اليابس فيخضر ولتصلح الأخضر فيزداد خضرة ونماءً.
.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"
.
ثم كان حديث الثلاثاء التالى فى التاسع والعشرين من نفس الشهر:
.
.
وكان المتحدث فيه فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ الدكتور محمد بديع، والذى استهل حديثه بربط "بديع" بين قدر الله الكونى وقدره الشرعى وأن الخروج عن القدر الكونى "انفجار" كما أن التمرد على القدر الشرعى" فجور" وأن الإنسان السوى يعيش منسجما مع قدر الله الكونى وبنفس الدرجة من الانسجام مع قدره الشرعى وضرب لذلك أمثلة "بديعة" تبين كيف كان قدر الله فى الكون حكمة وعدلا وأمنا ورحمة وكذلك كان قدره الشرعى" ألا له الخلق والأمر".
.
وبقدر ماأسعدنى ذلكم الحديث ساءنى حديثه عن "الثورة" إذ أخبر الحضور أنه اتصل عشية الإعلان عن تخلى "مبارك" عن الرئاسة .. اتصل بالأستاذ الكريم سيف الإسلام حسن البنا وقال له :" الليلة ثأر الله لأبيك" وإن أردف ذلك فى حديثه إلينا بذكر شهداء الثورة.
.
كان مقتل "حسن البنا" فى الثانى عشر من فبراير سنة ألف وتسعمائة وتسع وأربعين وكان خلع "حسنى مبارك" فى الحادى عشر من فبراير سنة ألفين وإحدى عشر، وبين الرجلين ملك هو "فاروق" ورئيسان هما "جمال عبدالناصر" و"أنور السادات" .
.
نعم آلمنى حديث الأستاذ المرشد من ناحيتين :
.
أولاهما: أنه إذا كان الله قد ثأر لحسن البنا فمنطقى أن يكون هذا الثأر يوم السادس والعشرين من يوليو سنة ألف وتسعمائة واثنين وخمسين؛ يوم خروج الملك فاروق طريدا من ميناء الإسكندرية إذ هو الضالع فى قتل حسن البنا ورجال قصره والإنجليز.
.
وأخراهما كسابقتها فى حديث الأستاذ جمعة أمين.... أن يكون الإمام حسن البنا رمز الإخوان المسلمين فى العام ألفين وإحدى عشر وأن تفسر الأحداث دائما على خلفية الإخوان المسلمين وكأن مصر ليس فيها مظلومون ولا مجاهدون ولا ثوار إلا الإخوان المسلمون.
.
لاأرى ذلك إلا حالة من الانغلاق الشديد والتمحور حول الذات وحبس النفس فى غير محبس؛ أدى إلى ذلك كله حوار الإخوان الدائم مع أنفسهم فى دوائر ضيقة وسويعات محدودة وغرف مغلقة حتى صار كثيرون منهم لايرون إلا أنفسهم ولا يسمعون إلا صوتهم.
.
.
تحدثت فى ذلك مع بعض إخوانى فكان أكثرهم وجلهم منتصرين لحديث مرشدنا ونائبه باعتبارهما مدافعين عن الإخوان المسلمين ضد الهجمة الشرسة نحوهم والتى تتهم الإخوان بأنهم لم يكن لهم دور فى الثورة وإنما ركبوا موجتها وسرقوا عجلة قيادتها.
.
.وكانت وجهة نظرى أن لكل مقام مقالا وأن لكل حادثة حديثا، فلم يكن وقت الحديثين هجوم حتى ندافع وإنما وقت حضور الأتباع والأنصاروكان زمان مجدهم: "الثلاثاء" ومكان عزهم: "مسجد عصر الإسلام" فإن كان لابد من الحديث بهذه الصورة فليس فى هذا المكان ولا فى هذا الزمان ولا بين هؤلاء الأتباع وأولئك الأنصار
.
وكان من وجهة نظرى أيضا أن المرشد العام للإخوان المسلمين ينظر إليه أنه إمام المسلمين وأمير المؤمنين فوجب عليه أن يسوى بينهم فى النظرة والبسمة والحنو والشفقة والاهتمام، ومثال ذلك: رجل له ولدان ظلمهما ظالم فلما انتقم الله لهما منه توجه بحديثه إلى أحدهما قائلا: لقد انتقم الله لك ممن ظلمك ورد إليك حقك، ولم يعر الآخر اهتماما ولا التفاتا فكيف يكون همه وحزنه حيث سقط من حساب أبيه.
.
يبدو أن مشاعرنا تجاه الآخرين وشعورنا بدورنا ومستوى الهم الذى وصلنا إليه هو الذى يحدد حديثنا ويختار ألفاظنا وينتقى عباراتنا ولهذا حديث آخر..... وقد لايكون.
.
.
والله من وراء القصد
.
.
